سفر... بقلم : sad syrian
سفر... بقلم : sad syrian
مساهمات القراء
منظر الغيوم المتراكمة تحته.. أشعره بعظم الكون..
وصوت مكتوم لمحركات الطائرة سبب له القلق..
وأحاديث راكبين ثرثارين أصابته بالملل..
ثمانية أعوام مضت منذ أن صدحت المسجلة بـ " وحياة قلبي وأفراحو"..
حفل صغير ضم أمه..أخاه.. و بعض الأصدقاء أعلن انتهاء خمس سنين جامعية..
ورقة سميكة ملطخة بشمع أحمر هي جائزته..!!
أصرت أمه الأرملة منذ عشرين عاما على وضعها في إطار ثمين وتعليقها فورا في صدر الصالون..
كان بكرها الذي ربته مع أخيه الأصغر من غير أب .. بكثير من تنظيف البيوت .. و بقليل من المال..!!
أب موظف صغير فقد حياته وهو يحاول إعادة التيار الكهربائي لأحد المطاعم الفاخرة.!!..
سنتان لابد منهما لخدمة الوطن..
كان عليه أن يجاهد للحفاظ على كرمه مع الضابط المسؤول عنه...
شهور طويلة قضاها في أعالي جبال دولة مجاورة..
وها هو يعود إلى بلده بالقليل من الورود والكثير من جرار الفخار المكسورة..!
بيت قديم تشاركه مع أرملة شابة و شقيق ..
وفرش بسيط عجز عن تدفئة غرفته ..
وأحلام....
مكتب العمل ... شركات خاصة ... ورشات بناء ... صارت قبلته كل يوم ..
كان بحاجة لعمل ..
كان متلهفا ليريح أمه بعد سنين من المياه الباردة والصابون..
شيئا فشيئا تسلل اليأس إلى قلبه...
" الهيئة هالبلد مش للمعترين متلي " قالها ودمعة تدحرجت على وجنته..
" وين بدي سافر وأترك هالأرملة وهالولد يلي ما كمل دراستو" سؤال ألح عليه كثيرا..
شهور طويلة بلا عمل... و خبز يأكله بعرق أمه أجبره على اتخاذ قرار..؟!
قرار بالسفر.!!
صحراء قاسية بدت له بلا نهاية..
أحجار سوداء تبرقش خد الأرض..
هواء حار جفف كل رطوبة..
مدير مجنون لا يهمه إلا اختصار الوقت ولو على حساب أعمارهم..
وعمال باكستانيون وهنود لهم الكثير من الرائحة واليسير من الطعم..
هنا كان عمله لإنجاز طريق سريع...
يوما بعد يوم تتغير المناظر وتحافظ الحرارة والرمال على تحالفها ضد بشريته..
غربة تلتهم سنوات من شبابه...
قليل من مال وكثير من منة...
مشروع عائلة مؤجل...
إجازات حولّها لعمل طلبا للمزيد من المؤونة واختصارا للنفقات...
وشعرات بيضاء بدأت تأخذ مكانا في صدغيه..
وأخيرا قرار بالرجوع...
بعد خمس سنين قرر العودة ...
" مشان الله حاجتك غربة وحاجتي وجع" كثيرا ما رددتها أمه على الهاتف.
كان عليه أن يعود...
قليل من العطور .. قطع قماش ملون .. بنطالي جينز جديدين وأحذية .. والكثير من أدوية القرحة هي هديته لأم تنتظر ولأخ يحلم.
تناول وجبته الجوية التي ينقص حجمها وطعمها سنة بعد سنة!
أتبعها بكوب من عصير البرتقال بدون برتقال..!
عرضت عليه المضيفة شرابا غريبا ذهبي اللون ...! لم يجربه قبل اليوم .. قبله بدافع الفضول فقط..!
جلس يرتشفه بطعمه الغريب ورائحته الفواحة...
التفت إلى النافذة الصغيرة و بدأ يراقب الغيوم و يستمع لحديث ممل من جاره الأصلع واضح الثراء..
"شو جايبلنا معك" كلمة استقبله بها رجل الجمارك بابتسامة أظهرت ثناياه التي سّودها التدخين؟؟؟!!
"يا عيب الشوم منك..الله أعلم بالحال "جواب لم يعجب كثيرا قاطع الطريق الذي ارتدى بذلة رسمية.!؟
"ايفتاح هالشناتي لشوف فتاح" قالها بكل لؤم وتشفي..!
هنا وهناك تناثرت هداياه التي رتبها بإتقان شديد قبل توجهه للمطار..!
كثيرون غيره ترافقهم حقائب متعدد كبيرة لم يفهم كيف لم يلاحظهم قاطع الطريق..!؟ بسرعة عبروا..
كان عليه أن يعيد (ضبضبة) أغراضه بسرعة وعصبية فهو يعطل عمل قاطع الطريق...
لم يجد أحدا في انتظاره؟!!
فقد قرر عدم إخبارهم بموعد قدومه حرصا على راحة أمه ورغبة في مفاجأتهم!!
كان عليه استحضار كل مواهبه في المفاوضات لإبرام صفقة مع سائق التكسي الشاطر !!
منظر الأشجار تجاور الطريق أذهب عنه ملله..
ثم زحام شديد أعلن وصوله إلى الوطن !
ببراعة قاد السائق سيارته عبر الأزقة القديمة..
" وين الإكرامية " ؟ سؤال أربكه
" انشالله المرة الجاية " جواب فرضه غياب ( الفراطة ) ..
بلهفة قرع الباب بيد برونزية علقت على خشب بني عتيق..
قرع و قرع ...
" شو القصة الهيئة ما في حدا" قالها في نفسه و قد تصاعد قلقه..
"الحمد الله على سلامتك " صوت جاره أبو عادل جاءه وهو يطل برأسه من دكانه..
" الله يسلمك ... شو... وين الجماعة؟؟!! " سؤال طرحه على جاره
" شو ما عندك خبر" عبارة فاجاته
"خبر شو .. خير ان شا الله " بلهفة سأل جاره
"أمك وأخوك انتقلوا من هون" جواب أثار غضبه
" انتقلوا من هون!! و لوين ..و إيمتى"أسئلة طرحها سراعا على جاره
"من شي شهرين...عالصبورة..."جواب زاد من حيرته
" وبتعرف وين .. يعني ما عطوك العنوان .. رقم تلفون .. أي شي ؟؟!! "سأل جاره باستجداء
" طبعا طبعا ... بيصير يمشو ما يودعوني ويخبروني لوين رايحين.."أجابه ودخل دكانه لإحضار العنوان الذي كتبه على دفتر الديون..!
الصبورة .. الجزيرة 99 ... فيللا 111
" شو أخدون لهونيك" سؤال طرحه باستغراب على جاره
"ماشالله حولو أخوك ... بسنتين تلاتة نفض حالتو نفض"إجابة زادت من استغرابه
"كيف يعني؟؟" سأل جاره
" يعني طلع شاطر بالتجارة وألو الكريم خود ... الفيلا تبعو لحالا حقها أكتر من خمسين مليون"
" شو خمسين مليون ....شو هالشغل يللي بيجيب خمسين مليون بسنتين؟؟!!" سؤال طرحه باستغراب و دهشة
" يللا يللا لا تآخذنا جار ..خليني روح شوفون وشوف شو القصة.." ودع جاره وهو يشير موقفا إحدى السيارات الصفراء..
سور حجري أبيض....
باب حديدي أسود كبير مزين بأشكال برونزية لمّاعة...
وعلبة معدنية براقة مع قليل من الأزرار انتصبت على الجدار بجوار الباب..
ضغط أحد الأزرار...انتظر قليلا ثم ضغط مرة أخرى...
صوت وزيز ثم فتح الباب وأطل وجه متجهم...
"خير..شو فيني اخدمك.."بادره الحارس بعدوانية
" عفوا..هون بيت ماهر ..." سأل الحارس
" قصدك المعلم ماهر...إيه هون مين حضرتك..؟"
" أنا أخوه ..هلق وصلت من السفر.."
" عن إذنك دقيقتين لخبرو" و أغلق الباب
بدأ يشعر بالغضب..
" شو القصة ..شو صاير بالدنية..؟؟!" قالها في نفسه وأشعل سيجارة
" تفضل...تفضل معلم.." قالها الحارس وقد تغير وجهه وانفرجت أساريره
كان عليه عبور حديقة منسقة بعناية يتوسطها مسبح بيضوي
وعشب أخضر مقصوص كما بمقص حلاق جاور الدروب الحجرية
خمس درجات وباب ذهبي اللون بزجاج مموه بزنابق بيضاء..
" الحمد على سلامتك أخي" استقبله بها أخوه فاردا ذراعيه...ثم قبلة على كتفه
" تفضل ..تفضل..ليش واقف هون" أشار عليه ماهر بدخول الصالون
غرفة كبيرة ملأتها مفروشات راقية وتحف ثمينة... وتصدرها درج منحي عريض يقود إلى طابق ثان
سجادة عملاقة زرقاء بمحيط أبيض وذهبي تمددت على رخام لؤلؤي..
وستائر سميكة بطبقات متعددة ذكرته بفساتين الأميرات..
" وين أمي ..ناطف قلبي عليها.." سأل أخاه برجاء
" أخدها الشوفير إلى الكوافير..اليوم عندها استقبال.." جواب زاد من استغرابه و دهشته
" شو القصة أخي...شايف الحال غير الحال....منيـــــــــــن.." سؤال طرحه على ماهر بجدية
" مو مهم منين...المهم أنو هلق معنا كتير...كتير..." جواب فاجأه
" بس يا أخي لازم أعرف...و لّلا نسيت أنو أنا أخوك الكبير.. وبعدين مو ملاحظ أنو غريبة شوي..يعني من سنتين تلاتة كنت أبعتلك مصروفك...شو اللي قلب الدنية..؟؟!!"
أسئلة طرحها على أخيه الذي حاول التنصل من الإجابة بدعوته للصعود إلى غرفته لكي يغير ثيابه و يأخذ حماما ساخنا ريثما تصل الوالدة..
غرفة أنيقة بسريرها الكبير و أغطيته المرتبة
حمام سريع...لباس نظيف بعد وعثاء السفر
نزل الدرجات بهدوء...كانت أمه في الصالون
"تقبرني الحمدالله على سلامتك .." اندفعت إليه تعانقه و تقبله و سط دهشته و صدمته
كاد أن لا يعرفها بخصرها الذي فقد بعضا من قياسه و بنطالها الفضفاض الأنيق ذو اللون الكحلي اللماع مع بلوزة حريرة موزية اللون...و شعر مصفف...
في حياته لم ير شعرها هكذا...
كل ما يذكره ( قمطة ) تحفظ انتظام شعرها..
أما يديها فحكاية أخرى...!!!
ما عادت فيها تلك الشقوق العميقة حمراء اللون...و أظافر طالت و تلونت و شذبت بعناية...!!
جلس و الدهشة تكاد تعقد لسانه ...!!
" ماما...مشان الله شو القصة ..فهموني.." سؤال طرحه باستجداء..؟
" و لا قصة و لا شي.... شو ما بيلبقلنا النعمة" جواب لم يشف نهمه
طبعا بيلبقلكون بس منين" "
" باختصار..أخوك اشتغل بالتجارة و الله فتحا بوشو"
" ماما ..عفوا بس مجنون يحكي و عاقل يسمع...شو هالتجارة يللي بتساوي خريج جامعي مليونير خلال سنتين "
" سألو....سألو هلق بيرجع.." إجابة سريعة من الأم
" لو سمحت أخي رجاءً بلا كترة غلبة و أسئلة...شو حضرتك لحا تحقق معي هلق" جواب أخيه استفزه كثيرا
و أضاف " هلق بكتبلك شيك بكلشي حولتلي ياه...وخليك عند حدك"
" لك أخي ليش عمتحكي معي هيك" سؤال طرحه مع تغيير لهجته لتصبح أكثر هدوءا
" أخي أنا هيك بحكي و إذا ما عجبك الباب بيفوت جمل" رد أزعجه كثيرا فانتفض قائما على ساقيه والتفت إلى أمه..." عاجبك هالحكي ... عاجبك" سألها بعصبية ....
" مو عاجبني بس انت نازل فيه من أول ما وصلت ... شو بدك .. منين وشلون وكيف ... عجبك خليك معنا ... ما عجبك انت حر"
" لا ما عجبني ولحا امشي هلق" أجاب مهددا ...
" الله مع دواليبك " عبارة ألقاها ماهر فطيرت صوابه ... وأضاف
" يعني صرلك خمس سنين بالخليج .. .شو ساويت ... قلي شو ساويت ... وجاية تتنطوط كمان " كلمات ماهر أخرجت شررا من عينيه..!!
التفت إلى ماهر ... اندفع إليه بقوة .... أمسكه من رقبته ... أنشب أظافره في حنجرته ...!!!
أسرعت الأم تمسك يده و تحاول إبعادها عن عنق أخيه..لكن تمسكه بعنق اخيه أجبرها على توجيه صفعة قوية إلى خده...
" لعمى شو صرلك...كلو كاس يللي شربتو"
قالتها المضيفة بغضب... و هي تبعد يديه عن عنق جاره الأصلع.
http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=61575
