Wednesday, November 09, 2005

كبرياء عانس ..؟؟!!؟؟

كبرياء عانس ..؟؟!!؟؟
قصة ، من : سمير مرتضى مجموع القراءات:(436) قراءةمجموع التعليقات:(10) تعليقاتتاريخ النص في الموقع:الخميس 1 مارس 2001

لا أرق .. لا ألم .. لا دموع .. كل يوم عندي هو 24 ساعة أعيشها بكل لحظاتها و ثوانيها و تفاصيلها .. يتهامسون فيما بينهم : لقد فاتها قطار الزواج،عليها أن ترضى بأول طارق للباب ، لم يعد أمامها خيار لانتظار الأفضل .. و استمع لهمساتهم دون أن اترك لهذه الهمسات أي فرصة لأن تتسلل إلى وجداني و تحطم كبريائي أو أنوثتي .. أطير إلى نافذتي كل مساء .. أرسم على الدروب أحلى الكلمات و أجمل القصائد .. أمد يدي إلى السماء أضيء أبعد النجوم و الأقمار .. أتأمل تلك المصابيح المزروعة على جانبي الطريق .. تضيء ليالي حياتي بصمت و سكون .. لا ضجيج و لا صخب ولا كلمات طائشة هنا و هناك .. أهرع إلى دفتري أسكب على سطوره أحداث أيامي و أحلامي و أيضا مستقبلي .. قالوا : لم يعد لها مستقبل .. قالوا : لم يعد لها أحلام .. قالوا : تاه فارسها عن الطريق .. وحملت همساتهم لأدفنها تحت نافذتي .. تحت مخدتي .. تحت أوراقي .. نعم .. لا قلق عندي .. لا هواجس .. العمر يتقدم .. والقادم لم يعد كثيرا .. اعترف بهذا .. الأيام تتسرب من بين ثنايا مستقبلي .. و الطريق إلى الغد أصبح يغلفه الضباب و لكن .. هذا قدري .. هل أعانده ؟؟ كل من حولي ينظر إليّ بعين تحمل ألف سؤال و سؤال .. إلى متى و أنتِ على الهامش ؟ إلى متى و أنتِ بلا مشاعر ؟ إلى متى و أنتِ بلا زواج ؟ و اعترف أن عيني تنكسر أمام كل سؤال …و لكن .. هل أملك إجابات لهذا السيل من الأسئلة ؟ أقف أمام مرآتي لربما عثرت على الخيوط التائهة في مستقبلي.. أتأمل تضاريس وجهي . و ينتصب أمامي ذاك السؤال الحائر الخجول : هل أنا قبيحة ؟؟؟؟ لا .. ليس هكذا يا مرآتي نطرح الأسئلة .. بل هل أنا جميلة ؟؟ انه سؤال معتوه .. بل ساذج .. ربما لا أفهم شيئا في مقاييس جمال الأنثى .. ولكن بنيت داخلي قيما جمالية كثيرا .. و زرعت في روحي أحلى و أبهى الورود و الجنان .. حملت أجمل الكتب و سقيت بها روحي و عقلي .. قد أكون دميمة .. و لكن كرامتي تأبي عليّ أن أكون غبية أو جاهلة .. تلمع في رأسي شعرة بيضاء .. أنها تقول الكثير و تعني الكثير و تحمل الكثير .. ولكن .. سأتجاهلها .. مثلما أتجاهل هذا الجحيم الذي يحيط بي .. أنظر في ساعتي .. كل شيء يذكّرني بالماضي و الآتي .. ولكن .. يا ساعتي .. يا مرآتي .. يا أشيائي .. ليس بيدي حل معاناتي .. لا أستطيع أن أقف في الطريق لأخطف أول عابر سبيل .. لا أستطيع أن أسكب أنوثتي و حيائي و كرامتي أمام نافذتي لأضمن عشرات الفرسان .. لا أستطيع أن أتخلى عن كثير من القيم و المبادئ السامية التي نَهلتْ و شَربتْ منها روحي في سبيل أن تزاح من حياتي كلمة : عانس .. لا أستطيع أن استبدل هذه الكلمة بكلمات أخرى أشدّ وطأة و قسوة على نفس الحر الأبيّ ..
لا أستطيع .. لا أستطيع .. نعم .. تجلدني نظرات أبي المكسورة كل صباح و مساء .. إنها نظرات حائرة .. قلقة
.. خائفة من الغد .. وأرى في نظراته حنان الأب الملهوف على ستر وحيدته .. وفي كل لحظة يقول لي : احلم ألا أنزل في قبري قبل أن أزورك في بيتك و مملكتك .. و ابتسم له و أدعو الله أن يطيل عمره .. و أمي .. أين هي ؟.. أنها هناك غافية في مرقدها منذ سنوات .. أتراها تتململ في قبرها قلقة على مصير وحيدتها ؟؟ لا قلق .. لا هموم .. لا كآبة .. لا عزلة .. لا خوف من القادم .. أعيش حياتي بلا هواجس .. أحب أن أسير تحت الشمس .. لا أحب المشي في الأزقة ولا القفز فوق الأسطح .. لم أعد أحمل ساعة في يدي .. حطمت مرآتي .. أهرب من كل شيء يذكرني بالزمن .. أهرب من عيني أبي .. و لكن لا أستطيع أن أهرب من كلماته الحانية .. و اهرع إليه كل مساء أنكفئ على يديه أقبلها .. ثم أطير إلى غرفتي .. نافذتي .. نجمة بعيدة هناك تلمع بهدوء غريب .. إنها تضيء ما حولها بصمت .. دون قلق .. أو خوف ..


http://arabicstory.net/index.php?p=text&tid=862

4 Comments:

At 8:54 PM, Blogger arabicshortstory said...

.. عض عينه !

مصطفى سكر


"" دون النظر إلى ساعة الحائط
أو مفكرة الجيب
أعرف مواعيد صراخي ..
وأنا هائم في الطرقات ،
أصافح هذا ، وأودع ذاك ،
أنظر خلسة إلى الشرفات العالية
إلى الأماكن التي ستبلغها أظافري وأسناني
في الثورات المقبلة ..
فأنا لم أجع صدفة ،
ولم أتشرد ترفا أو إعتباطا ،
ما من سنبلة في التاريخ
إلا وعليها قطرة من لعابي .. "" !
محمد الماغوط (الشاعر السوري)



" ياأخي حتى الصراصير تتفاهم فيما بينها بملامسة الشوارب ، فكيف لا نتفاهم نحن مع بعضنا ونحن لا تنقصنا ، لا الشوارب ولا اللحى ! "
كان هذا رد (الذي هنا) على (الذي هناك) ، من خلال جواله النوكيا ذي الشاشة العريضة والكاميرتين !
أما (الذيهناك) فهو صديق مخلص ل (الذيهنا) وكان يرجوه الإبتعاد عن (الهامور) لما له من سمعة رديئة في عالم المال والأعمال !
لكن الذيهنا لم يقتنع ، ولن يقتنع بأى حجج تسوق إليه لمنعه من توطيد علاقته بمن يسمى بالهامور ، خاصة بعد أن ربح من إستشاراته آلافا مؤلفة من الريالات !
الذيهنا شاب نشيط وذكي ، منفتح وطموح ، لكنه مندفع وعنيد وحاب لنفسه ، فقد تخلى عن أسرته بطيش ، تاركا وراءه أب معلول وأم هدها الزمن وثلاث بنات ، أكبرهن مدرسة وهى السند والمورد الوحيد لأسرتها !
كان بعد أن حصل على الثانوية قد أكمل تعليمه الجامعي في جامعة كانبيرا بإستراليا على نفقة أخته ، ولما عاد مهندسا عمل لمدة سنوات في شركة الكهرباء ، لكن طموحه دفعة لترك الوظيفة المرموقة والنزول إلى السوق !
أحلام الثراء السريع كانت تؤرق نومه ، وتشغل فكره ، ونظريته التي إعتنقها وصارت نبراسه ، أخذها من دراسته للهندسة "" الخط المستقيم هو أقرب الطرق بين نقطتين "" !
هذه النظرية أو هذا الشعار كان يأكل به آذان أقرانه ، بدعوى أو بدون دعوى ، كان يردده وكأنه نبراس أو سفر من أسفار العهد القديم !

حين إفتتح أول محل له لبيع الأدوات الكهربائية ، قال أن التجارة شطارة ، فبرأس مال ضئيل ، إستطاع أن يجمعه دفعه كعربون لوكلاء هذه الأدوات فأغرقوا محله بالمعروضات وأغرقوه بالكمبيالات المؤجلة الدفع !
مشى الحال معه سريعا ، فإفتتح محلا ثانيا ، ثم ثالثا ، وظف بمحلاته مجموعة من البائعين الهنود بأجر زهيد ، وياليتهم يقبضونه منه !
ليس البيع مثل الشراء ، شراء الأدوات سهل مادمت ستدفع أو ستوقع ، لأن التجار الكبار حقوقهم محفوظة قانونيا !
لكن البيع بالمفرط يتم أغلبه بأقساط غير مريحة وغير مربحة لمجتمع يشكو أغلبه من شح السيولة ، أو كما هم يقولون !
لم ينسى منظرا رآه حين كان عائدا من إستراليا بحرا ، كان يقف على سور الباخرة يتفرج ، أعجب بحركات عمال الميناء وهم يهرولون لفك أربطة الباخرة ، فعلم أنه لكى تبحر المركب وتمخر البحر وتسبر أغوارالمحيط ، لابد أن تتحلل أولا من قيودها ، من الأربطة التي تقيدها بأوتاد المرسى ، ولهذا فقد عقد العزم من وقتها على أن يفكك كل أربطته التي رأى أنها تقيده ، وأولها أسرته ، فقد تركهم وهم في مسيس الحاجة إلى المؤازرة ، ورحل إلى بلدة أخرى !
لكنه كان يزورهم في أوقات متباعدة وفي زيارات خاطفة وبيد فارغة ، في آخر زيارة أخذت أمه تشتكي له من الأزمات الخانقة التي تمر بها الأسرة ، فالأب مريض ويحتاج للدواء ، والبنات رهينات البيت لا يخرجن لقلة الموارد ، والكبيرة أثقلتها أحمال الأسرة فزهدت في الحياة برمتها بحلوها ومرتها !
لكن الذيهنا كان يسمع وقلبه شتى ، فقد كان يفكر في حاله وأحواله ، فلم تهز شكاوى أمه شعرة واحدة من رأسه ، فلما ضاقت الأم بصمته صرخت قيه : إيش ياولدي ، أنزعت من قلبك الرحمة ؟! أرى إنك لم تتأثر بحالنا ولم تشفق على أحوالنا ، ولم تفكر ولو ثانية واحدة في طريقة تمد بها يد العون إلينا !
فكان رده : ياأمي الديون مكبلاني ، والناس حاسداني ، لا يدرون ما أنا به من مشاكل ، تصدقين بالله ياأمي لقد صرت أتهرب من الديانة ، فأغلقت جوالاتي حتى لا أسمع صراخ مطالبهم ، إدعي لي ياأمي بقلبك الصافي أن يفك الله كربتي ، وعندها ستجديني طوع بنانك !
أجابت الأم بفروغ صبر : ياولدي إفهم ، رزقنا قليل ، ومطالب البيت كثيرة ، ونجد صعوبة حتى في دفع إيجار الشقة ، ألم يعد عندك على أسرتك التي أنجبتك وربتك رحمة ولا شفقة ؟!
قال بجمود : إدعي لي ياأمي بالفرج !
قالت بهلع : بل سأدعي عليك ياابن بطني بلباس الفاقة التي نحن فيها !
رد صاعقا : لا ياأمي لاتقولي هذا ، بل قولي لمن كان هو السبب !
نظرت إليه بغضب وهى تسأله : من تقصد ؟
قال والحقد ظاهرا عليه : للشيخ الراقد في الفراش ، أليس هو سبب نكستنا ؟ ألم تكن تصرفاته الهوجاء هى سبب ضياع الأسرة ، كان في وظيفة محترمة ، وكان يملك بدل البيت خمسة ، وكان يلعب بالفلوس لعب ، لكنه بدل أن يضمن لنا مستقبلا زاهرا ، عمل من نفسه الشيخ المصلح ، فترك وظيفته وباع أملاكه وساح في الآرض داعيا ومنقذا للبشرية ، يساعد هذا ، وينقذ هذا ، وينفق على هذا ، حتى فرغت جيوبه ، وهكذا .....
قاطعته الأم صارخة : لعنة الله عليك ، بل ألف علنة ولعنة ، أشكي لك من عوزنا ، فتخرج لي بقصة الرجل المريض ، قم ، قم وغادر البيت فلم يعد لك هنا مكانا عندنا ، ولم يعد لك مقاما بيننا ، فقام ببرود ..
وخرج .. ولم يعد !

إحدى السيدات من حمولة هذه الأسرة ، كان زوجها يعمل أمين مستودع في شركة كبيرة ، في يوم أغبر سقطت عليه حمولة كبيرة من أحد الأرفف ، بسرعة نقلوه إلى المستشفي لإسعافه ، لكن قضاء الله كان أسرع ، توفى وترك لها ولدين لم يدخلا المدارس بعد !
شعرت المرأة أنها مقيدة ، فليس لها رجال يرمحون جوارها أوحولها لتنفيذ متطلباتها ، فلما إستنفذت كل حيلها وحين فاض بها ، رفعت السماعة وكلمت التي في مقام عمتها ، أى أم الذيهنا ، رغم علمها أنهم لا يطيقونها ، وحكت لها ظروفها التعيسة ، فما كان من الأم إلا أن واستها بكلمتين ثم أعطتها رقم إبنها لأنه يقيم بنفس بلدها ، عساه يجد طريقة لمساعدتها !
قالت لها إبنتها الكبيرة المدرسة : لماذا ياأمي تعطينها رقم أخينا وأنتي تعلمين أنها ساحرة وماكرة و(حرباية) ؟
أجابت الأم من وجع قلبها : مسكينة يابنيتي ، ظروفها صعبة ، مات رجلها وليس لها من يرعى مصالحها ، وأنتي تعلمين أن المرأة في مجتمعنا مكبلة ، لاتستطيع الخروج لقضاء حاجتها دون رجل يرافقها أو وكيل ينوب عنها أو محرم يرفع الحرج عنها ، ثم تعالي هنا ، من قال لكي أن أخيكي سوف يرد عليها أو حتى يعبرها ؟!

إما مشغولا أو مقفولا ، هذا هو حال تليفون الذيهنا ، لكن المرأة لم تيأس ، حاولت مرارا وتكرارا ، ليلا ونهارا ، حتى كلمته !
من حسن حظها أو من حسن حظه ، أن له عميل مهم يعمل في نفس الشركة التي كان يعمل بها زوجها ، فبدأ إتصالاته بهذا المهم !
طلب منه (المهم) هذا أن يأخذ توكيلا موثقا من المرأة أولا ، ثم يحضر إلى الشركة وسوف يقوم بمعاونته في تصفية حسابات المرحوم كلها !
رافق الذيهنا المرأة إلي كافة الجهات الرسمية حتى أنجز التوكيل ، وحين أصبح وكيلها الشرعي بدأ رحلة تصفية متعلقات زوجها ، كانت الشركة قد أعطت بيتا للموظف فتنازلت عنه لأرملته وأولادها ، وكان له مستحقات نهاية الخدمة ، ومكافأة نظير تميزه في عمله ، وتعويض إصابة العمل ، ومعاش كامل لأسرته ، فكان الذيهنا يقبض في الذهاب والإياب أموالا تسيل لها اللعاب !
كان الذيهنا كثير التردد على الأرملة لإطلاعها أولا بأول على تحركاته ، فقد كان بريق الذهب قد بدأ يلعب بعقله ويسكره ، وبدأت خططا كثيرة تلح عليه وتحفزه !
ومن الجهة الأخرى كانت الأرملة قد بدأت تنظر إلي شبابه وحيويته ، وتفكر في غزو قلبه وفض عزوبيته ، وكان الأولاد قد أخذوا يأنسون بوجوده وحضرته ، فكان يسر كثيرا ، ويسعد بإحتفاءهم به وتهليلهم له حين رؤيته : هييه عمو عمو ، ثم ينقضون عليه لتقبيله وتحيته !
أخذت الحرباية تتصل عليه بإستمرار داعية إياه لأتفه الأسباب ، وكان حين يأتي يجد كل شيئ مجهزا ، الأولاد نيام ، والبيت هادئ ونظيف ومعطر ، والعشاء البيتي حار ومغطى ، وأرملة طروب ، بثوب لعوب وشعر مجذوب ، وعطر مسكوب ، وشيطان يرقص بحرابه في كل الزوايا والدروب !
بعد عدة شهور أبلغته المرأة أن جنينه قد بدأ يلعب في بطنها ، قال في نفسة بعد لحظة تفكير سريعة "" على الآن أن أحسبها صح ، المرأة تكبرني بعدة أعوام ، قصيرة وحنطية لكن مازال بها جمال ، عندها ولدين ، لكنها وحدانية ومنكسرة ومطيعة ومتفاهمة ، وتحمل على ظهرها زكيبة ذهب وتملك بيتا كبيرا مؤثثا ، وأنا عندي محلات لكن ديونها تأكل مواردها ، وليس لي من يرعاني ويؤنسني ، فلماذا لا نفتح ثقبا يصل بين إنائها الممتلئ وإنائي الفارغ ، أنا وهى على وجه البسيطة نقطتين من نظرة طائر ، وأليس الخط المستقيم هو أقرب الطرق إليهما ، وعلى هذا أخذها إلى المأذون وتزوجها "" !

الصعود على سلم الحياة يستدعي أن ترقى درجة وراء أخرى ، لكن الذيهنا قرر من قديم أن يقفز ، أن يكون كالكونغارو ، يقطع المسافات قفزا ، كثيرا ما جادله الذيهناك أن يتمهل ، أن يصعد درجة درجة ، ألا يحرق المراحل ، حتى لا يتعرض لهزات تهده ، فكان يقهقه ويرد ساخرا وهازئا : ياحبيبي الزمن تغير وعلينا أن نكون كذلك ، أتريدني مثلا في زمن الإلكترونيات والفضائيات والساعات الرقمية ، أن أستخدم الساعة الرملية في معرفة الوقت ! كلا وألف كلا ، فنحن في عصر السرعة ، والزمن كالسيف إن لم تقطعه قطعك ، فكيف تنصحني أن أكون في (البيزنس) كما السلحفاة ؟ بل إنصحني إن كنت مخلصا أن أكون أرنبا ينط للأمام !
قال الذيهناك بعد أن بدل الجوال من أذن إلى أذن : إسمع ، دعني أذكرك بقصة السباق الذي حصل بين السلحفاة والأرنب !
قال مسرعا : أعرفها .
أجابه : أعلم ، ولهذا قلت لك دعني أذكرك ، فلقد تحدى الأرنب المغرور سلحفاة ، والعجب أن السلحفاة وافقته رغم علمها بقدراته وقدراتها ، وقد باركتهما حيوانات الغابة ، وفي اليوم الموعود ، وقفا في أول المضمار متحفزين وأصوات مشجعيهما تهدر من حولهما ، ولما سمعوا الإشارة إنطلق الأرنب يتقافز كالرهوان ، وبدأت السلحفاة تزحف كالثعبان ، بعد مدة من الزمن توقف الأرنب ونظر خلفه ، فوجد أن السلحفاة لا تكاد تبين من فرط بعدها ، تعجب وقال لنفسه : لماذا لا آخذ قسطا من الراحة تحت ظل هذه الشجرة الوارفة حتى تقترب السلحفاة ، ساعتها أقوم وأفط وأنط وأنهي الباقي ، وبهذا يكون للسباق طعما تنافسيا ، غفى الأرنب وقتا ظن أنه لحظات ، ولما فاق نظر للوراء فلم يجد غريمته ، لكنه حين نظر في الإتجاه الآخر وجدها قريبة جدا من خط النهاية ، إستجمع الأرنب كل قواه وانطلق كالسهم ، لكن قبل أن يصل كانت السلحفاة قد داست خط النهاية !
قال الذي هناك بغضب : لا ياحبيبي ، أنا غير ، لا تغفو عيني أبدا في مضمار السباق ، أنا غير ياحبيبي !
كان يعقب على أقصوصته بهذا المعنى وهو يتحرك خارج بيته ليركب سيارته ، حين فتح باب السيارة كان الآخر يقول له : عموما أنا مؤمن بالمثل الذي يقول "" أكل العنب حبة حبة "" ، فرد عليه وهو يجلس على كرسي السيارة قائلا : وأنا مؤمن بمثل قاله هامورنا "" كل الفطير وطير "" !

ساعة أدار محرك السيارة ، إستوقفه جاره محييا وهو يقترب من شباكه ، مال الجار عليه قائلا : ياخوي ، لقد تعاقدت على مجموعة سيارات أمريكية مستعملة بحالة ممتازة ، ألديك رغبة لشراء إحداها ؟
أجابه ببساطة وهو ينظر إلى عينيه : غلطان ياحبيبي ، السوق شبعان منها ، وهوامير الوكالات سيطروا على سوق المستعمل ، الله يعينك على الخسارة !
فوجئ الجار بما سمع فبهت ، وأصبح ندمان أسفا ، ثم بلا شعور ولول على قروشه التي دفعها ، وأخذ يلعن أم أولاد الحرام الذين دلوه على هذا الطريق ليستثمر تحويشة عمره !
خرج الذيهنا من سيارته وأخذه في حضنه متأثرا وهو يقول : هون عليك ياجاري ، كل عقدة ولها حلال ، كم دفعت في هذه الصفقة ؟
تشبثت أهداب الجار الخائرة ، بثوب الأمل البارق الذي يرتديه محدثه ، فأجاب بصوت كسيح : خمسون ألف ريال دفعتها نظير عشرة سيارات ، والسفينة على وشك الوصول إلى ميناء جدة !
بعد لحظات من التفكير وحك الرأس أجابه : شوف ياجاري ، لغلاوتك عندي سأعطيك أربعين ألف ، بس عاطني المستندات وخل الموضوع على ، سأحاول تصريفها بأقل خسارة ممكنة !
طالعه الجار مندهشا ومتألما ، بعد أن متأملا ، وصاح كأنه يستغيث : ولكني بهذا أكون قد خسرت عش .... ، قاطعه الذيهنا : آسف ياحبيبي، وأسرع يدخل سيارته ، لكن الجار أسرع بالتعلق بباب السيارة قائلا : ياخوي خليك حليم أمال ، إنتظرني دقيقة سأحضر لك المستندات ، والله يعوض علينا !
في نفس الليلة باع الذيهنا مستندات السيارات لصديق يعرفه يملك صالة للسيارات المستعملة بمبلغ سبعون ألف ريال ، وحين إستلم الشيك منه سأله : وماذا ستفعل بهذه النقود ؟
أجاب وهو يطوي الشيك ويضعه في جيبه : سأرد للرجل نقوده ، ثم أدفع بعض المديونات التي على المحلات !
"" إنتظر ، تمهل ، لاتتسرع ، يمكنك أن تربح من هذه النقود قبل أن تردها "" قالها صاحب الوكالة بحماس ، فتجمد صاحبه في مكانه برهة كالتمثال ، وحين لانت أساريره سأل : ماذا تقول ؟!
أقول : لماذا لا تستبقي النقود معك لعدة أيام تتربح منها ، ثم تضعها بعد ذلك في الموضع الذي تريده ؟
سأله بلهف : وكيف يحدث هذا ؟!
أجابه بدهاء : ضعها في الأسهم ياعزيزي ، فالناس تكبش وتغرف من معين أرباحها الفاحشة !
لمعت عيني الذيهنا ، وتدلت شفتاه ، وسال اللعاب من فمه ، فمال منحنيا على المكتب فتقارب وجهي الذئبان ، وإختلط زفير أنفاسهما ، فعوى الأول في وجه الثاني : وأين هذه الأسهم ؟!
"" في البنوك طبعا ، إشبك ، ماانت عايش في البلد ؟! "" هذا ما قاله الثاني له بإستغراب ، ثم أكمل : الناس ياحبيبي أخرجت الفلوس (من تحت البلاطة) ، ومنهم من باع بيته أو سيارته حتى يضاربوا على الأسهم ، ويحصلوا على أرباحها ، تدري ليش ؟ لأن الربح يأتي سهل ووفير ومضمون ؟!
إشتعل فتيل الذيهنا فإنطلق صبيحة اليوم التالي وإفتتح محفظة إستثمارية بأحد البنوك ، وبدأ المضاربة على أسهم الشركات !
في البدء كعادة كل بادئ إشترى أسهم الشركات الكبيرة شبه الحكومية لإستقرارها وموثوقيتها ، لكنه إكتشف بعد مدة أن عائدها قليل !

حين رزق بمولوده الذكر الأول طار فرحا ، سماه إسما إشتقه من
السعد ، تيمنا بوجهه السعيد عليه ، بعدها أخذ يضيق بأولاد زوجته ، فتعكر جو الأسرة وعرف الشقاق طريقه إليهما ، وصار يثور لأتفه الأسباب ، فخافت زوجته المسكينة على حياتها الزوجية ، فهى لا تريد لزواجها الثاني أن يفشل وتفقد الظل الذي يحميها ، فلما رأت أن زواجها قد وصل إلى تخوم الهاوية ، تنازلت برغبتها عن أمومتها لأولادها اليتم ، وأرسلتهم إلى عمة عجوز تعيش بعيدا فوق جبال الجنوب !
لكن العواصف لم تهدأ ، بل جاءت من صعيد آخر ، ففي يوم فتحت باب البيت لتجد عمتها (أم زوجها) بغيمتها المبرقة المرعدة ، دفعتها الأم بعنف من طريقها ثم إندفعت إلى الداخل وهى تصيح : أين هو ، أين الجبان الرعديد ، أين عديم الإحساس والمسؤولية ؟!
كان نائما متلحفا ، فهب مذعورا على صراخ أمه التي وقفت فوق رأسه
تهدر وتزبد كسيل العرم الذي يتدفق عبر الوديان : أنت ياالنذل ، ياعديم الرحمة والنخوة ياجبان ، ترقد في فراشك هانئا وتتركنا في براثن الفقر والحرمان ، بطني هذه (وتضرب على بطنها في عنف) خلفتك ، وصحتي فنيت حتى ربتك ، ودموعي في كل مراحلك ماتركتك ، سهر بالليالي ورعاية بالنهار ومدارس ولوازم ومصاريف أهدرت ودعمتك ، ولما إشتد عودك ونبت ريشك طرت عنا وما ترددت ! أبوك المريض سقط في الحمام وإنكسرت ركبته ومحتاج ركبة صناعية ، واخوتك البنات المنكسرات بدأن يخرجن عن طوعي ، البنات تحتاج لبس ومصاريف مثلهن مثل الأخريات ، ماذا أقول لك ياديوس : أختك الوسطانية وجدوها ترقص في شقة أمام الرجال ، والكبيرة هدتها المسؤؤلية بعد أن وهبت نفسها لرعاية الأسرة ، فزهدت في الزواج وفي الحياة وكرهت الحياة ، والناس يقولون لي : أين الولد ، كيف الولد ، ماذا أقول لهم ؟ أستحي أن أقول أن ولدي عديم المسؤولية ومنزوعة من قلبه الرحمة ، أستحي قول هذا ياجبان ، فألا تستحي أنت مما فيه ؟!
كان ينظر إليها بعين تشبه عين المشنوق ، عين جافة فاغرة ، تظن أنها فاقرة ، وقسمات وجه بالجفاء عامرة ! بعصبية وضيق صدر قال وهو ينفخ : إهدئي يا أمي أرجوكي ، لا يغركي ما ترينه ، إن ظروفي صعبة وقاسية ، وديوني مضيقة على الخناق ، فلم أجد أى بحبوحة تساعدني على مساعدتكم ، يا أمي ، أرجوكي تعذريني إن قصرت تجاهكم ، غصب عني ، لكن فرج الله قريب ، إصبروا ولن تندموا ، ستفرج بإذن الله وستجديني معكم يدي بيدكم ، كما تحبين أن تريني ! ثم وضع يده تحت مخدته وأخرج حافظته ومنها سحب ورقة خضراء بخمسمئة ريال وناولها إياها وهو يردد : خذي يا أمي هذه مشي حالك بها إلى أن يفرجها الله !
في سرعة فائقة أطاحت يدها يده وهي تصرخ مرتعشة : أتعطيني إحسان ياميت الضمير ياحيوان ، أنا لا أطلب صدقة ، أنا أطلب حقنا الشرعي منك ، شرع "" فإما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما "" ، ولن نتنازل عنه ، بيننا وبينك القانون والمحاكم الشرعية ، وبهما نأخذ حقنا منك كرها بعد أن كان طوعا ! حين إستدارت لتخرج فوجئت بزوجته تقف وراءها قرب الباب وفي يديها صينية بها أكواب الشاي ، قالت المرأة غير مبالية : لا تخرجي يا عمتي قبل أن نضيفكي ، خرجت كلماتها الباردة بالضيافة ، كأنها بنزين بارد دلق فوق أتون مستعر ، فقفزت الأم نحوها تلطمها وتسبها وتفرغ فيها شحنة غضبها : أنتي السبب ، أنتي التي أسرتيه وسحرتيه وجعلتيه يقسى علينا ويتركنا ، أنتي شيطانة ساحرة ماكرة تضع (قناع) الغلب والمسكنة لتجمل نفسها !
كانت الأم تشتم وتضرب ، والزوجة تصرخ وتهرب ، فلما رأى زوجها الدم يتدفق من رأسها المشجوج ، هب يدفع أمه بعيدا عنها ، فما كان من الأم إلا أن على صراخها وهى تردد : أتدفعني عنها ، و تضربني من أجلها ، وامصيبتاه .. وامصيبتاه ، وهرولت إلى الباب ثم إلى نهر الطريق بدون عباءة ولا طرحة تولول بالصوت الحياني : إنجدوني ياولاد الحلال ، إنقذوني يا مسلمين أنا في عرضكم ياهوه ، ولدي وإمرأته يضربونني ومن بيتهم يطردونني !

كانت صلاة العشاء قد إنتهت منذ مدة في الحي الهادئ ، وبدأت كويكبات من المصلين تتهادى جمعا وفرادا تجاه بيوتهم ، عندما صدح وسط هذا الهدوء صراخ إمرأة تستنجد بالمسلمين !
توقفت حركة المصلين وأخذوا ينظرون تجاه الصوت وتجاه بعضهم في إستفسار صامت ، بعد مدة واصل كثير منهم السير ، ولكن زمرة رأت أن تستطلع الخبر!
لما وصلوا إلى مصدر الصوت بادر بعضهم يستعلم بإشفاق : ماذا بكي ياأمنا ؟ أجابتهم المرأة وهى تتشنف : ولدي ، إبن بطني ، ضربني هو وزوجته وطردوني من منزلهم !
أسرع بعضهم بالقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وبادر أحدهم بخلع عباءته وناولها إياها قائلا بعطف مقرون بإستياء لرؤية حرمة ولو كبيرة في السن بدون عباءة وغطاء رأس خارج البيت : إستري نفسك ياأمي وتعالي معي فالبيت قريب !
في بيته إلتفت حولها النسوة يتساءلن ، حكت وشكت من خلال دموعها عن حال أسرتها وعن جفاء وليدها ، إقترحت النسوة المتعاطفات معها أن تلجأ إلى الشرطة مادام حقها مهضوما !
إنصاع الرجال إلى مطلب الأسرة وإن كان بعضهم قد إقترح الذهاب إلى الأبن لعله يرعوي بالحسنى ، لكن رأى النسوة غلب !
بعد أن ألبسها النسوة عباءة سوداء وغطاء رأس ركبت في سيارة صاحب البيت ورافقته إلى مركز الشرطة !
قامت الشرطة بجلب الإبن الجافي بسيارة من عندهم لسماع أقواله ، حكى ما حدث من وجهة نظرة ، بعد أن حكت أمه من وجهة نظرها ، وبالطبع كان يحدث تداخل بين الطرفين لتصحيح سرد الأحداث !
دونت الأقوال في محضر رسمي ، وحاول كل من حين ومين من المتجمهرين أن يصلحوا بينهما بحكم ومواعظ عن بر الوالدين وعقوق الأبناء ، أريقت خلالها نصوص من الكتاب والسنة تدعم مقالاتهم لعل القلب الجافي يلين !
لكن الإبن كان يردد بلا إنقطاع ، أنه غير جافي لكنه غير مستطاع !
ولما إستيأس ضابط الشرطة من ظهور حل يرضي كل الأطراف ، حلا يرضي أسرة محتاجة وإبن متعسر ، فعل ما يملى عليه القانون ، أعطى الأم رقم وتاريخ المحضر ونصحها أن ترفع دعوة نفقة في المحكمة الشرعية لتأخذ حقها !
حين خرجت الجموع من مركز الشرطة ، حاول الذيهنا هنا أن يأخذ أمه معه إلي البيت ، لكنها رفضت بغضب وإباء وقالت بصوت عال : يحرم على بيتك بعد أن طردتني منه ، وحقي سآخذه منك صاغرا بالقانون !
ثم توجهت للرجل الذي جاء بها ورجته أن يوصلها إلى بيت معارف لها تقضي عندهم الليل ويأخذونها صباحا إلى المحكمة ، أخذها الرجل في سيارته وانطلق وهى تتمتم : حسبي الله ونعم الوكيل !

حين دخل الذيهنا منزله كانت عفاريت الدنيا تتنطنط في وجهه ، فلما رأى زوجته معصبة رأسها سألها بحدة : ماهذا الذي فوق رأسك ؟
قالت الزوجة بأسى : كبست الجرح بالبن لأوقف النزيف وتعصبت عليه!
علق عليها بأسف : آه لقد نسيت – ثم أكمل لامبالي- ترى لقد صعدت أمي الموضوع ، بعد أن فضحتنا في الحي ! أمي وأنا أعرفها ، تراها ناوية على الشر وما هتجيبها البر –ثم صاح بنبرة عالية آمرة- إسمعي، سوف نترك هذا الحي ونسكن في مكان آخر لا يعرفنا فيه
أحد ، من باكر إجمعي الأشياء الضرورية لننقلها معنا !
تساءلت المرأة بصوت خافت لكن يملؤة الجزع : والبيت ؟!
أجاب وهو يتجه إلى غرفة نومه ، سوف نبيعه ونشترى أحسن منه بإذن الله !
تفترت شفتاه عن بسمة ماكرة حين سمع صوتها يأتي طائعا من خلفه : سوي اللي تشوفه يارجلي !

كان الصيف يجر أذياله ، وكان النهار يسحب أستاره ، عندما إصطحب بائع السيارات الذيهنا معه إلى مجلس مقام في إحدى البيوتات لمجموعة من المستثمرين ، على باب المجلس ترك مداسه قبل أن يدخل كعادة أهل البلاد ثم تبع صاحبه ، كان الموجودين خليطا من الشباب والشياب من كافة الأعمار ، يجلسون على أرائك وثيرة أمام شاشة عريضة موصولة بكمبيوتر يعرض قوائم الشركات وأسهمها ، وكان اللون الأخضر الذي يغلب على الشاشة مؤشرا على الصعود !
في صدر المجلس شخص سمين مكتنز اللحم ، ذو بشرة بيضاء لامعة ، وشارب خفيف ، وثوب نظيف ، كانت البسمة لاتفارق شفتاه ، وكان يوزع كلماته على من حوله مع هزات خفيفة من رأسه ، وكان لا يتوقف عن حديثه إلا حين يلتقط جواله ويلقي على شاشته نظرة سريعة بعد أن يسمع رنات الجوال : بيب بيب .. بيب بيب !
دون أن يسأل مال بائع السيارات على أذنه موضحا : هذا هو رجلنا ، المستشارالمالي لنا ، (الهامور) الذي قلت لك عليه ، فهو السبب بعد الله في مكاسبنا وأرباحنا !
كان الذيهنا مطرطقة آذانه لصاحبه ، لكن عيونة كانت مسمرة على الهامور ، تنظر بأسى المحروم إلى حركاته المستمرة ، وإلى فص خاتمه الذي يلمع ، ومسبحته التي يلعب بها بين أصابعه وإنعكاس الأضواء القزحية على حباتها الكهرمانية التي تخطف الأبصار !
بعد الرسالة الثامنة أو العاشرة أو الثانية عشر ، تكلم الهامور بصوت واضح مسموع : ترى ياشباب أسهم شركة (ك ذ ا) في تصاعد قوى مستمر ، عليكم بشراء أكبر كمية ممكنة قبل الإقفال !
ما إن إنتهى إلا وانصرف عدد من الحاضرين بسرعة ، وانهمك بعضا من بقى في الإتصال بجوالاتهم ، تحول الذيهنا إلى صديقه ليسأله : وأنت ماذا ستفعل ؟
أجاب بهدوء : لن أفعل اليوم شيئ ، لقد بعت اليوم كل أسهمي وتركت السيولة في المحفظة بعد أن ربحت 38 ألف ريال ، غدا إنشاء الله سألعب على مجموعة أخرى !
سأله الذيهنا بعد أن إستغرب من هدوئه : ألا تخشي الخسارة ، ألا يتطرق الشك أبدا إلى قلبك ؟!
ضحك صديقه بائع السيارات وعلق على قلقه : ياعزيزي لعبة الأسهم تحتاج إلى جرأة ، هى مغامرة أو لنقل مقامرة ، فيها الربح والخسارة مثل أى تجارة ، لكن إطمئن ، سوقنا ولله الحمد مستقرة ، لم تتعرض لأى هزات ، فالبترول كما تعلم ترتفع أسعاره ، والبنوك تكتظ بالسيولة ، وإقتصاد البلد قوي ومتين ، فمن أى شيئ نخشى إذن !
قال الذيهنا بأسف وهو سارحا في البعيد : يظهر أني وضعت نقودي في فريزر، جمدتها في شركات القطاع العام ذات الربح البطيئ البسيط خوفا من الخسارة ، ولن أربح منها إلا الجليد الذي سيتراكم عليها !
أجابه صديقه وهو يهز رأسه ويربت على يده : تمام ياصاحبي !
فجأة إنتفض في مكانه وكأنه ينفض عنه توهانه وسرحانه : من أين تأتيه هذه المعلومات ؟
إقترب صديقه ثانية من أذنه وأخذ يهمس : هامور ياعزيزي ، هامور يعني إنسان واصل وشبعان ، وله معارف في كل مكان ، هو واحدا من سرب كبير من الهوامير تجوب بحار المال والأعمال ، يجزلون العطايا ، ويعلمون الخبايا ، وتندس أناملهم الناعمة في كل الحنايا ، تحرك الركبان والمطايا ، فهمان على ؟!

كان يتقلب على فراشه قلقانا ، ينام على اليمين ، ثم على الشمال ، ثم على بطنه ثم يرجع ثانيه إلى ظهره ، طارت فراشات النوم من تحت جفونه وحلقت بعيدا وتركته ساهدا ، كانت تطن في رأسه كلمات صاحبه "" لعبة الأسهم تحتاج جرأة ، هى مغامرة أو مقامرة فيها الربح وفيها الخسارة مثل أى تجارة ! لكن إطمئن ، سوقنا ولله الحمد مستقرة لا تعرف الهزات ، فالبترول أسعاره تتصاعد ، والبنوك تكتظ بالعملات ، وإقتصاد البلد قوي ومتين ، فمن أى شيئ تخشى ؟! "" كلمات ذات عيار ثقيل ووزن فيل ، تدوس أقدامه بعنف على مراكز أعصابه ، فأقلقته وأطارت النوم من جفونه !
خلال بضعة أيام إستطاع أن يلم من هنا ومن هناك مبلغا محترما ، هو قيمة ما كان معه ، ونقود زوجته وثمن البيت الذي باعه ، أودعهم في جميعا بمحفظتة بالبنك وقال منتعشا : أنا الآن مستعد لرحلة الملايين !

من الأمثال الأجنبية التي عرفها من دراسته بإستراليا مثل إنجليزي كان يتردد بكثرة على أفواه الطلاب (Hitch your wagon to a star) أى أشبك عربتك بنجم إن أردت التحلق ، ولهذا فقد عزم على أن يلتصق الهامور ويوطد معرفته به ، ويشبك عربة طموحه بشاحنة إتصالاته ومعلوماته !
قهقه الهامور وهو يررد "" ماشاء الله ، مهندس وتعمل في التجارة والإستثمار"" !
أجابه بهمة طاغية : الحقيقة كنت موظفا في شركة الكهرباء ، لكن للأسف لم أجد طموحي في الوظيفة ، فتركتها وإتجهت للتجارة !
قال الهامور بعيون تلمع : والنعم ياحبيبي ، فقد قالها شوقي من قديم
"" شباب قنع لا خير فيهم .. وبورك في الشباب الطامحينا "" !
عقب بلهف : الله ينور عليك ، وقد تشرفت بالإنضمام إلى هذه المجموعة المباركة ، وأنت من بعد الله قائدنا وهادينا !
قال الهامور وهو يلعب بمسبحته : العفو ياحبيبي ، لكن قل لي ، كم وضعت في محفظتك ؟
أجاب وهو يفرك يديه ببعضها : إستطعت جمع مبلغ 600 ألف ريال ، وكنت أتمنى لو جمعت مليون !
قال الهامور وهو ينظر لجواره : لا تقلق ، سوف تصل ، فلا تستمع لكلام من يقول أن المليون الأول هو الأصعب ، في مهنتنا هذه فالمليون الأول هو الأسهل ، كن مطمئن !
أسرع مسرورا : الله يطمئن قلبك ياكبيرنا !
سأله الهامور مرة أخرى : قل لي ياالذي : ماهو هواك ؟
مندهشا : ماذا تقصد ، آسف ، لم أفهمك !
الهامور موضحا : أقصد هل أنت إسلامي متشدد ، أم منفتح ؟
أجابه بصراحة : لا أنا متشدد ولا منفتح ، أنا إنسان عادي وسطي ، لكن لما هذا السؤال ؟
الهامور موضحا أكثر : لأن البعض ياعزيزي قد قسم الشركات إلى ثلاثة قوائم ، شركات شبه حكومية ، وشركات نقية ، وشركات منسية ! فالذي يحب الربح البسيط على المدى البعيد يمكنه أن يتعامل مع الشركات المسنودة ذات المصاريف البيروقراطية العالية ، والذي يبغى الحلال ، كما يقولون ، فعليه بالشركات النقية لبعدها عن الربا في تعاملاتها ، وربحها أيضا مقيد ، أما من يريد الربح السريع ، لكنه ذي مخاطر ، فعليه بالمنسية ، لأنها شركات صاعدة بقوة في سوق المال وخاصة بعد إنضمام البلد إلى منظمة التجارة العالمية !
قال الذيهنا : معك كل الحق ، فقد جربت الشركات المدعومة ومليت من نمو أسهمها ، تماما كما مليت من نمو تجارتي البطيئ ، بصراحة أنا أريد الكسب السريع حتى ولو كان ذو مخاطرة !
طوح الهامور مسبحته مبتهجا وقال : خلاص ياحبيبي ، خلاص فهمت !
ثم كأنه تذكر ، إذ نظر فجأة إلى ساعة معصمه الذهبية وهب واقفا ، لملم أغراضه بسرعة وإتجه إلى باب المجلس ، لكنه توقف برهة وإتجه بصوته إلى العيون التي كانت تتابع حركاته : إعذروني يا إخوان ، عندي موعد مهم لابد أن أحضره ، وبعد برهة أضاف ، وقبل أن أنسى، عليكم بمتابعة أسهم شركة (زرا) في إفتتاح الغد ، سوف ترون أن سهمها سيبدأ من 250 ريال ، وسيستمر في الصعود حتى ينتهي عند الإقفال بأعلى من 700 ! ثم أضاف بثقة : من يريد الربح فعليه أن يشتري أكبر كمية وقبل الإقفال يبيع ويربح ، سلام !
إنتظر الذيهنا طلوع الصبح بصبر نافذ ، كان أول الموجودون بالبنك ، ساعة بدأ الشاشات ، رأى الخبر صحيحا ، إنتظر قليلا ليتأكد ، إقترب المؤشر من 300 ريال للسهم ، حول كل سيولته بقلب جريئ ودم بارد إلى ألفي سهم ، ومع نهاية أطول يوم في حياته باع أسهمه عند 700 ريال ، كاد أن يطير فرحا ، بل كاد أن يغمى عليه من شدة الفرح ، إذ شاهد بأم عينه أن سيولة محفظته ، إرتفعت إلى مليون وربعمائة ألف ريال بالتمام والكمال !

المضاربة بالأسهم وأرباحها الشهية ، أصبحت كالمنخفض الجوي ، الذي يجتذب الرياح الخارجية ، فقد تجمعت وتحولت كل طموحات الذيهنا للثراء السريع في إتجاه المضاربة عليها ، خاصة بعد أن ذاق عسيلتها !
فبعد أن ذاق حلاوتها إنقشعت وإختفت كل مخاوفه ، وكل ما كان يتحلى به من حكمة أو حذر أو خشية !
فقد إنصاع بكل جوارحه لتعليمات الهامور ، التي كانوا يسمونها مجازا (إستشارات مجانية) ، ربح من هذه الإستشارات ، وكلما ربح إزدادت شهيته وعظمت جرأته ، ولما رآه الهامور في هذه الحالة ، إقترح عليه أن يستفيد من التسهيلات البنكية التي تمنح لأصحاب المحافظ الواعدة ، قال له : إرفع محفظتك يا الذي ، خذ سلفة مليون من البنك بدون فوائد وضمها إلى رصيدك ، فالبنك يأخذ عمولة بسيطة تافهة على عمليات البيع والشراء ، خذ .. وضم .. وضارب .. واربح ، ثم إنطلق في موجة قهقهات متقطعة ، تشبه نفثات مرجل قطار الشرق السريع !

قالت الأم بأسى شديد لبناتها الثلاثة : وبعدين يابنات ، صاحب البيت قابلني عدة مرات ، كل مرة يلح بؤجرة الشقة التي صارت مكسورة علينا ستة أشهر ! الرجل من لهجته قد نفذ صبره ، وبالعربي الفصيح فإنني أخشى بعد أن هددني بالشرطة أن يطردنا إلى الشارع !
نطقت المدرسة بقرف : سبحانك ربي ، أليس لهذا الغم من آخر ؟
ردت الوسطانية عليها : وهل الغم سيجد أسرة (سعيدة) أحسن منا لينسج خيوطه اللزجة عليها ؟
أما الصغيرة فكانت تتابعهم بلا تعليق ، أما من علقت فهى أمهم التي صاحت بغلظة : مالكم قلبتم عاليها سافلها ، فكروا معي في حل أمال ؟!
سادت لحظة وجوم على الجميع ، قطعته المدرسة بقولها : والله ياأمي لقد هلكتني الديون ، ياليتك تتصلين بأخينا وتشرحين له الظروف مع كلمتين ناعمتين لعل قلبه يرق ويلين !
أجابت الأم بيأس : وكيف يحدث هذا والنذل لا يرد على المكالمات ، ألظاهر إنه غير شرائح جوالاته هربا منا ، وقد مررت أكثر من مرة على محلاته ، دون جدوى ، حتى موظيفه الهنود لا يعلمون مكانه ، أو هو منبها عليهم بذلك ، لكني أرجح الأول لأنه واضح من كلامهم أنهم موروطون ورطة شديدة ويبحثون عنه مثلنا ، عموما أنسوا هذا وإبحثوا لنا عن حل آخر !
قالت الوسطانية : إنتظري ياأمي دقيقة ، سوف أكلم إحدى صحيباتي عندها من الخير الكثير ، وهناك أمل أن تعطيني سلفة نردها لها حين تفرج بإذن الله ، ثم سحبت التليفون الموضوع على الأرض من سلكه وإتصلت ، بعد عدة كلمات أغلبها مشفرة ، ردت السماعة ورفعت اليهن وجها مبتسما وقالت : فرجت ، البنت رحبت وطلبت مني الحضور بعد العشاء لتعطيني ما أريده !
لكن الأم نظرت إليها بتمعن والشك يلف ويدور في عقلها ، فلم تنس حادثة إخراجها من بيت مشبوه من قبل ، فقالت لها غاضبة : لا لا لن تخرجي ! ، لكن المدرسة راجعت أمها قائلة : لماذا ياأمي ، طلبت منا الحل وها قد جاء ، فلماذا العناد ؟!
أشاحت الأم بوجهها بعيدا وهى تقول : أختك هذه لم أعد أثق بها !
قالت الوسطانية بإصرار : لا ياأمي ، ثقي بي هذه المرة ، وعلى العموم سآخذ أختي الصغيرة معي حتى تطمئني !
ردت المدرسة موافقة : حل معقول ، شرط ألا تغيبون علينا واجد ، فقط مسافة الطريق !

صاح الذيهناك في جواله : فينك ياعزيزي ، ماعدت أشوفك ، إيشفيك إختفيت ؟! ، فأجابه الذيهنا بتململ واضح : ياأخي مشغول والله ، إعذرني ! ، رد صاحبه مخلصا : الله يكون في العون ، لكن لا تنسى أحبابك ياخوي !
"" ماني ناسي أحد ، لكن المضاربة آخذة كل وقتي وجهدي ، إسمع ياحبيبي ، شيئ ، شيئ ، والله شيئ يهبل العقل "" !
سأله صاحبه متشوقا : أشوا ، يعني أرنب ؟!
"" طبعا أرنب ، وياليته أرنبا واحدا ، بل صار أربعة أرانب وفخذين ، وقريبا جدا نكمل الخامس "" !
قال صديقه يحذره : إنتبه ياعزيزي ، لا تضع كل بيضك في سلة واحدة ، ترى السوق ما هو مضمون !
"" لا توصي حريص ياعزيزي ، كل شيئ عال ، والناس إيش أقولك ، الناس بتغرف الأموال غرفا وكأنهم عثروا على مغارة علي بابا "" !
قال صديقه متخوفا : هذا ما أخشاه ، طمع الدنيا ، فالطموح شيئ مسموح ، لكن الطمع يؤدي للجشع ، والجشع يؤدي للمهالك والعياذ بالله !
"" ياخوي شبعنا حكم ومواعظ ، الأحسن أن ندع الملك للمالك ، والحين إعذرني لأني وصلت أمام المجلس ، وعندي مقابلة هامة مع الهامور يحفظه الله "" !
قال صديقه مستسلما : طيب طيب ، في أمان الله ، سوف أتصل عليك في وقت لاحق !

كان الجميع في المجلس في فرح غامر ، يتهامسون ويتصايحون ويضحكون ، كأنهم فريق كرة قدم فاز بالدوري والكأس دفعة واحدة وفي موسم واحد !
في خضم هذا الهرج سأل الهامور شابا يجلس قبالته بصوت واضح : أتعرف تيمة هيئة السياحة التي تعرض بالصحف وعلى التليفزيونات ؟
أجابه الشاب : لا والله ما عندي فكرة ، لكن صوتا إرتفع من بعيد صائحا ( خميس وجمعة ، إكسبوها لا تفوتوها ) !
أشار الهامور بمسبحته تجاه الصوت وأخذ يقهقه قهقهاته المتقطعة : عفارم عليك ، هذا هو مايردده الممثل يوسف الجراح للناس في هذه الدعاية ، ثم أكمل ، والله ياشباب يتهيأ لي أحيانا أنه يقصدنا نحن بالذات ! ، ألا ترون ذلك معي ؟
قالوا : نعم وهم يهمهمون ويضحكون !
لكن صوت الهامور علا ثانية قائلا : ياشباب السيولة كبيرة في السوق الآن ، لذا فإنه يتوجب علينا أن نركز عملياتنا بين مجموعة مختارة من الشركات ، خذوا مثلا شركة (م د ا) وشركة (د ر ا) وشركة (ك و ا) شركات واعدة ومن ناحية الإستثمار فإن المضارب الفطن عليه أن يتنزه بين أسهم هذه الشركات ، لأنه لو بقيت على شركة واحدة وخسرت ، فإنك ستكون كمن قبض على جمرة خبيثة تلسعه وغير قادر على قذفها بعيدا عن يده !
صادف كلام الهامور هوى نفس الذيهنا ، خاصة أنه ذكره بقول صديقه حين كان يحاوره : ياعزيزي "" لا تضع بيضك كله في سلة واحدة "" فإنتفض صائحا بصوت جهوري : هذا والله هو الحق المبين !

بعد أن أخلى الغرفة ممن كان داخلها ، قال موجها كلامه إلى الأم الملتاعة وإبنتها الجزعة : كيف ياأمي تتركين بنتيكي يتواجدن في بيت سيئ السمعة ومشبوه ، فالبيت كان مراقب ، والمرأة صاحبة البيت زبونة مستديمة عندنا ومعروف عنها أنها (جرارة) ، والحمدلله إننا بإستجواب البنتين علمنا أنه غرر بهما ، لكن .. أين أبوهما وأين إخوانهما ، أجيبي يا أمي ، من الممسك بزمام هذه الأسرة ؟!
كانت الأم وإبنتها المدرسة تسمعان في ذهول ، لم ينقطع لا هلعهما ولا دموعهما منذ لحظة إستقدامهما بعد منتصف الليل بواسطة الشرطة ، أجابت الأم المذهولة وهى تنهنه وتتهته على تساؤل الضابط الشاب الذي تبدو عليه مظاهر الأدب والكياسة والرحمة واضحة : والله ياولدي حالنا لا يسر عدوا ولا حبيبا ، فالأب عجوز مريض راقد بالمستشفى مكسور الركبتين ، في إنتظار أطراف صناعية بالألاف نأتي بها ولا أدري من أين ، والولد الوحيد شاردا عنا وعاق بنا ، رغم أن الله ميسرها عليه ، وإيجار البيت مكسور علينا من عدة شهور ، والبنات كبرن وقاعدات بالبيت ، ماعدا الجالسة بجواري هذه ، فهى تعمل مدرسة والحمل كله ملقى عليها !
يا ولدي البنتين خرجتا لتتسلف من إحدى صويحباتها التي لا نعرفها ، وقسما بالله ما كنا ندري ماكان مخبئا لنا ، فنحن ياولدي الله يسترعلى ولاياك ، أسرة فقيرة ومعاقة ، لا نملك شيئا من حطام هذه الدنيا غير شرفنا ، فكيف نرسل إلى مكان مثل ماتقول بناتنا ؟!
كانت نظرات العطف والرثاء تطل من عين الضابط وهو يسمع ، وحين إنتهت دق جرس مكتبه فدخل الشرطي الواقف على بابه ، قال له آمرا : أحضر لنا البنتين !
دخلت البنتان الغرفة وإرتمين على حجر أمهن باكيات ، لكن الأم كانت جامدة متماسكة مثل الصنم الأصم وكانت عينيها معلقة على الضابط ، أشار الضابط إليها بضجر قائلا : خذي ياأمي إبنتيكي وإرحلي ، ولا تنسي مراقبتهما حتى لا يتورطا مرة أخرى ، ثم وجه حديثه للشرطي : قل لسيارة الدورية توصل النسوة إلى باب منزلهن !
فور دخولهن البيت إنقلبت الأم من حالة السكون إلى حالة إنفعالية هائجة ، صارت كثور المصارعة حين يرى الوشاح الأحمر فيهيجه ،
إنهالت عليهما بالتوبيخ والشتم وحتى باللطم ، كانت كلماتها تتدافع من فوهة فمها كمدفع سريع الطلقات ، وكانت البنتين من صياحها ولطماتها وجذب شعورهما يولولان ويستنجدان بالكبرى ، حاولت الأخت الكبرى المدرسة أن تحول بينهما وبين الأم صارخة : كفاكي ياأمي الله يهاديكي وبلاش فضايح في إنصاص الليالي ! ، لكن الأم المأزومة عالجتها هى الأخرى بلطمة شديدة على وجهها ، مما جعلها تجفل وتقفز بعيدا إلى خارج الغرفة تاركة أرض المعركة لمن فيها !
في مطبخ البيت الضيق المزدحم بالأغراض ، تلاقت أعاصيرالزمان التي كانت تزوبع داخلها ، مع السهام التي تنهمر عليها من خارجها ، فأحست فجأة بزوال مناعتها المكتسبة ضد غدر الأيام ، أحست أنها أصبحت هشة ، منهارة ومحطمة ، أحست أنها قد فقدت ماكان في داخلها من بريق ، فلم تسعفها أنوار العالم المتلألئة في جنباته ، من إقتباس قبس يجدد ضيائها ، فإنطفأ سراجها !
اليأس والقنوط دفعاها إلى حافة الجنون ، فمدت يدا مرتعشة إلى الفانوس الصغير(المسرجة) وسكبت وقوده عليها !
حين شب الحريق وبدأت آلامه هرولت إليهن وهى تصرخ وتولول وتستغيث ، كانت النار التي أشعلتها في لحظة وهن ، قد بدأت تأكلها ، أكلت النار بشررها الملتهب (الهشيم) اليابس للبنت !
إستعرت النار ولعلعت ، وإنتشرت وأحرقت ، ما بقي من أحلام الغريق
"" فإذا الدنيا كما نعرفها ، وإذا الفجر مطل كالحريق "" !

دفع الذيهنا باب مكتب بائع السيارات بقوة وإندفع قفزا داخل مكتبه ، مكث مدة واقفا يلهث قبالته من شدة إنفعاله ، كانت ملامحه لا تخفي الهلع الممسك بتلافيفه ، حين إلتقط أنفاسه سأل صاحبة بصوت متحشرج : ماهذا ، ما الذي يحدث ؟!
"" علمي علمك ، أنا مثلك لست أدري "" أجابه بصدق وبنبرات حزينة !
جذب الذيهنا مقعدا وجلس عليه ، أخذ يفكك أزرار ياقة ثوبه ، ثم بيديه أخذ يحرك أطراف شماغة وكانهما جناحي طائر ، كان يطرد الصعيد الحار من جنبات وجهه لتحل محلها نسمات الهواء الباردة الآتية من المكيف المعلق فوق رأسيهما ، تساءل ثانية وهو مازال يرفرف : أسهمنا ياعزيزي (نازلة ترف) ، هل لديك تفسير لذلك ؟
"" والله لا أدري ، فكما أعرف أحيانا تهبط ، ثم تعود إلى الصعود ، لكن هذه المرة أراها تهوي ، على العموم إنتظر حتى العصر ، حتى نقابل الهامور ونسأله ، فهو الخبير وأكيد عنده الإيضاح والتفسير !
كان الهامور مبتسما كعادته ويلفلف مسبحته بإصابعه ، غير مبالى بالوجوه الكالحة الغاضبة التي تحوطه ، لكنه حين كثرت التساؤلات الجزعة حوله إضطر للقول : ياجماعة إطمئنوا ، أرجوكم لا تجزعوا ، هذه ظواهر طبيعية في سوق الأسهم ، وهى ظواهر وقتية ، فقاعات يعني ، فالذي حدث أن بعض اللاعبين الكبار نزلوا إلى السوق ، فأنتم تعلمون أن بعض الشركات الكبيرة في قطاعات عدة مثل ، البنوك..الإتصالات.. البتروكيمويات.. العقارات وغيرها ، حتي تتخلص من مشاكلها إضطرت لطرح بعض أسهمها ، بغرض مص السيولة المتوفرة لدى الناس حتى تتمكن من حل مشاكلها ، وهذا ما جعل السوق يتخلخل قليلا !
نزولهم للسوق ياإخوان لن يحل أبدا مشاكلهم ، فالحل معروف لكل من يعمل بالإقتصاد ، الحل يكمن في ترشيد الإنفاق والتخلص من العمالة المترهلة الغير منتجة ، ولهذا قلت لكم أنها ظواهر موقوتة ، لأنه لا يصح إلا الصحيح ، فسوف يعود السوق إلى سابق عهده ، وترتفع أسهم الشركات الواعدة ، ويعم ثانية الربح والخيرعلى المضاربين!
إستطاعت تأويلات الهامور الإقتصادية أن تفعل فعل السحر على الموجودين ، فقد تمكن بمهارة الخبير أن يغلف مر الخسارة التي تجرعوها بغلالة حلوة وملونة ، مثل ما تفعل شركات الأدوية حين تغلف مرارة حبات الدواء بطبقة سكاكر حتى يسهل بلعها !

تسلفت الأم مرة أخرى من جيرانها حتى تتمكن من الذهاب إلى البلدة البعيدة ، كانت ذاهبة إلى الموعد الثاني لجلسة الحكم بالمحكمة الشرعية المقامة ضد إبنها !
حين أتى دورها قال لها الشيخ القاضي : هذه هى الجلسة الثانية لكم ، لكن إبنك (الخصم) لم يحضر رغم إستدعائه بواسطة الشرطة !
سألته الأم بجزع : وما العمل إذا ياشيخ ؟!
أجاب بعجلة وهو يفر الأوراق ويهم بالكتابة : سوف أؤجلها مرة أخرى وليكن شهرين !
جزعت الأم وصاحت "" هه ، شهرين آخرين ، مومعقول ، وكيف نعيش وليس عندنا آية موارد ، ياشيخ الله يطول لنا في عمرك ، أحكم وراعي ظروفنا ! ، نظر إليها الشيخ مليا ثم قال : ياأمي أعرف ظروفكم جيدا من خلال المستندات التي أمامي ، لكن .. من الواجب سماع أقوال الأبن الغائب ، ألحت الأم عليه وهى تبكي : ياشيخنا كنا معتمدين على الله ، ثم على البنت المدرسة ، لكنها ياحبة عيني ناءت بحملنا فتصدعت وإنهارت ، مثل أى مبنى يحمل فوق طاقته ، البنت المسكينة فقدت عقلها وأحرقت نفسها ! قاطعها الشيخ بضيق : أعوذ بالله ، لكنها إستمرت : وهذه شهادة من المستشفى تثبت أقوالي ، ثم أخذت تنتحب بحرقة بالغة !
قال الشيخ بتأثر واضح : تماسكي ياأمي ، إصبري واحتسبي ، سوف أحكم لكم بنفقة شهرية ألفي ريال وتغريمه إيجار البيت ، هيا ، قومي وإنتظري بالخارج إلى أن يعطيكي الكاتب صورة الحكم !
بعد ساعتين من الإنتظار ، تسلمت صورة الحكم وقيل لها توجهي إلى قسم الشرطة ليقوموا بإجراءات النفاذ !
في قسم الشرطة علمت أنهم لا يعلمون لإبنها عنوانا ، فقد ذهبوا للعنوان المدون عندهم ، فوجدوا أنه باع البيت ورحل !
بل أنهم أرسلوا إلى قسم الشرطة التابع لها محلاته بالمدينة الأخرى،
فكان ردهم أن عماله أيضا لا يعرفون محل إقامته ، لكنهم طلبوا منها ترك صورة الحكم لمداومة البحث عنه لتنفيذ حكم القاضي !
صاحت الأم بصرخات مكتومة : ياناس ، يامسلمين ، أسرتي بلا موارد ومهددون بالطرد إلى الشارع ، فدلوني بالله كيف نعيش ؟!
قال بعضهم بتأثر : توجهي ياأمي إلى الشئون الإجتماعية ، فهناك سيبحثون حالتكم ويصرفون لكم مايعينكم على الحياة !
سألت وهى تتشنف : الشئون ، وهل بحثهم سيأخذ وقتا ؟
قال الشرطي بعجب : كل شيئ ياأمي لابد له من إجراءات !
ذهبت الأم للشئون الإجتماعية كما نصحوها ، فطلبوا منها التوجه إلى مبنى المحافظة لتحضر بعض الأوراق المعتمدة !
ذهبت إلى المحافظة فحولوها إلى إدارة الأحوال المدنية ، ذهبت إلى الأحوال المدنية فحولتها إلى الإمارة ، وفي الإمارة همس في أذنها من تأثر بقصتها أن تتوجه إلى الجمعية الخيرية ، خرجت الأم من هذه الدوامة الجهنمية التي أداختها ، شبه محطمة ، كان بصيص نور عينيها قد بدأ يتراقص كما الشمعة قبل الإنطفاء ، كانت بالكاد ترى الطريق ، لأنها فقدت بوصلتها ، وضل مداسها البالي خارطة الطريق ، سارت تتخبط وتتعثر في خطواتها كالظمآن في البيداء يجري وراء سراب الماء ، كانت كل المآسي والحوادث والكوارث التي مرت بها والتي كانت تكتمها في صدرها قد أوشكت على الإنفجار ، بل لقد إنفجرت على هيئة ترنيمة حزينة عجيبة صارت ترددها بصوت عال :
ياولدي يا ابن بطني أمك تناديك
وراك ما تسمع شكايا وندايا
تذكر حياتي يوم أشيلك وأداريك
وألاعبك دايم وتمشي ورايا
ياما عطيتك من حناني وبعطيك
تكبر وتكبر ، بالأمل ياسنايا
وإن مرضت كنت بدموعي بشفيك
ويوم تخف يكون سعادتي وهنايا
وإن طلبت احرم من نفسي وأديك
كل ما أملك من هدايا أو عطايا
لكن خسارة ، بعتني اليوم وشفيك
أخلصت للزوجة وتركتني لشقايا .. ..
كان الناس ، سواء من يتبعونها مشفقين ، أو من يتوقفون على أجناب الطريق مندهشين ، أو ممن يخرجون من المحلات ويرونها ثم يمرون بها متأثرين ، كان كل هؤلاء يعلقون قائلين : لا حول ولا قوة إلا بالله !

إستمرت بورصة الأسهم في تذبذب لمدة طويلة ، ورغم هذا فقد حقق كثير من الناس أرباحا معقولة ، إلا أنه مع بداية العام أخذت تهبط هبوطا حادا غير مسبوق ، حاول المضاربون تفادي الخسارة بالتنزه من سهم لآخر على أمل الإنتعاش ، لكن محاولاتهم جاءت دون جدوى ، كان التدني قد أصبح كالوباء إنتقل بالعدوى من سهم إلى آخر حتى أصاب الأسهم جميعها ، كانت الشاشات الحمراء قد أصابت المضاربون بالهلع ، فأرادوا سحب أموالهم ، لكن وصول الأسهم إلى مؤشر متدني حال دون ذلك ، فالكل يريد أن يبيع أسهمه ويحولها إلى سيولة ، لكن أين المشتري الذي يجازف بالشراء وهو يرى الخسارة ؟!
وزاد الطين بلة أن البنوك التي أعطت متداوليها سلفيات ، سحبت سلفتها عند تدني الخسارة وتخلت عن عملائها الكرام !

من نافلة القول إنه ماكان هناك داع لهذه الخسائر المرعبة في سوق واعد يعتمد على إقتصاد قوي متين للدولة ، لكن الأنامل الآثمة الخفية لمجموعة من الصقور أو الدبابير أو الهوامير، كانت تريد القنص، والقنص رياضة شعبية محببة وشائعة بالخليج ، فزينت لفرائسها إطلال رأسها من الكوات التي تختبئ بها ، وحين حدث هذا ، مارست هواية القنص بلا هوادة !
في خضم هذه الخسارة الفادحة ، سمعت حكايات وحكايات ، إنتحار ، ذبحات صدرية ، طلاق ، بيع ممتلكات بأبخس الأثمان ، لكن الذيهنا أصيب فقط بصدمة وذهول وإعتكف ببيته نادما وباكيا !
بعد حوالي شهر إفتقده صديقه الوفي الذيهناك فقرر زيارته !
فتحت زوجته الحزينة الباب وكان واضحا عليها الإرتباك ، سألها الذيهناك بلهف : أين هو ؟
أجابت وعينها الذابلة موجهه للأرض : راقد في غرفة النوم ، لايغادرها إلا إلى الحمام ، ثم يعود لرقاده مرة أخرى صامتا صمت القبور !
سألها بعزم وثبات : هل تسمحين لي بالدخول !
تنحت جانبا وقالت بإستسلام : تفضل !
نقر الذيهناك بيده نقرات خفيفة على الباب ، ثم أدار مقبضه ودخل ، حين رآه الراقد على السرير إغرورقت عيناه ، ثم أدار وجهه إلى الحائط ، كانت الغرفة شبه مظلمة ، وكانت الأشياء فيها مبعثرة ، وكانت رائحة الأجساد العفنة تفوح منها لإفتقارها إلى الشديد للتهوية، فالشباك والباب مقفولين ، والمكيف متوقف ، ولا يوجد أى متنفس لتغيير الهواء الفاسد !
تقدم الصديق إلى صاحبه ، ولما كان الكرسي الوحيد مكومة عليه الملابس ، فقد آثر أن يجلس على حافة السرير !
بعد مدة حرك يده ببطئ إلى أن قبض على يد صديقه ، ثم قال بصوت خفيض : علمت بما حدث ، فعز على أن أتركك وحدك ، فجئت إليك لأقف بجوارك وأشاطرك أحزانك !
لم يرد ، لكنه تشنج ثم بكي ثم إنتحب بصوت مسموع ، فقال له صديقه متأثرا لتهدأته: هون عليك ياصاحبي ، تمالك نفسك أرجوك ، أعلم أن البلوى عليك عظيمة ، ولكن عزيمة الرجال أعظم ، وعهدي بك أن عزيمتك قوية ولا تفل ، أليس كذلك ؟
إستمر صاحبه في بكاء يقطع النياط ، وما يصاحبه من الدموع والمخاط ، فكان ينظر إليه ويتألم من حرقته في العياط !
لجأ صاحبه لتجربة طريقة صعبة وقاسية ليخرجه من حالة اليأس والقنوط التي رآه فيها ، فجذبه بعنف ، أخذ يرجه رجا وهو يصيح في وجهه "" أتبكي ، أتبكي كالنساء ، على ملك لم تحافظ عليه كالرجال ! "" إبكي إبكي إبكي ، فياليت من بكى قبلك أعاد للمسلمين بلاد الأندلس ، إسمع ياصديقي ، اللهم لا شماتة وأنت تعلم ذلك عني ، لقد فعلت معك ما يفعله أى صديق مخلص لصديقه ، طلبت منك التمهل والحذر ، ورجوتك أن تبعد عن رفاق السوء ، لكن ياعزيزي ، كان طموحك هادرا ، وكان شيطانك غادرا ، كان يزين لك المرابح فأغواك بالغاوية ، في الوقت الذي كان فيه يدفك دفا نحو الهاوية !
نجحت الكلمات الجارحة لصديقه في إستفزازه وإخراجه عن صمته فنطق بحرقة : نعم نعم ، أغواني وأعماني ، علم اللعين نقطة ضعفي ، علم بطموحي الذي كنت أستره ، علم ببغضي للفقر والفاقة ، وعلم بإستعدادي للتضحية بأى شيئ في سبيل الثراء ، كنت أحقد على والدي لأنه كان مقتدرا فضيع نفسه وضيعنا ، كرهت أن أكون مثله ، حاولت تغيير مسار حياتي حتى أسعد من يأتون بعدي ، لكن طموحي طمسه طمعي وجشعي ! ياللأسف ، جاءتني الملايين ولكن لم أكتفي ، حين كانت هذه الملايين تنمو وتحبو وتقف وتسير وتجري أمام عيناى كنت أراقبها بسعادة من يراقب وليده وهو ينمو ، كانت النشوة تسكرني ، وكانت الآمال والأحلام تتراقص أمام ناظري كما تتراقص حور الجنة أمام الفائزين بها !
كنت قد وصلت للجنة ، لم أفكر كيف وصلت ، وأى طريق سلكت ، أعماني الشيطان وأغواني كما أغوى جدنا الأول ، حين همس في أذني "" هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ! "" تبعته مهرولا وعصيت ربي ، وحين إنجلت معصيتي وإنكشفت سوءتي ، صرت أخصف عليها من ورق الجنة ، ولكن الأمر الإلهي كان قد صدر ، فأخرجت منها لعصياني ، هبطت إلى أديم الأرض وإلى ترابها الذي خلقت منه !
ياصديقي وأخي وحبيبي ، لا تلومني إن بكيت كما تبكي النساء ، فأنا أبكي فعلا على ملك فرطت به ولم أصنه كالرجال ، فقدت ما أملكه ، ولم يعد عندي إلا دموعي ، فلماذا لا أسفحها على حالي ؟ .. أخذ يبكي ويمخط نفسة مدة قبل أن يكمل آسفا : أضعت أشياءا كثيرة ، مالي ، ومال زوجتي وأولادها اليتامى ، أضعت محلاتي بعد أن أهملتها واستولى عليها دائنيها ، أضعت أسرتي المحتاجة الى مؤازرتي ، وأهملت أبا مريضا عاجزا وأم عجوزا وبنات عانسات ، وقبل هذا وذاك أضعت نفسي ، بعتها بلا ثمن لشيطان رجيم ! ثم إنطلق ثانية في نوبة بكائه التي تقطع النياط !
"" قم "" لفظها صديقة بعنف وقسوة ، آمرا إياه بالوقوف ، فلما وجده ينظر إليه مندهشا ، لانت لهجته وأكمل : قم غير ملابسك حتى نخرج !
سأله بوهن : نخرج ، نخرج إلى أين ؟!
قال : نخرج من هذا المكان الكئيب ، نخرج من السجن ، لابد أن نخرج من هنا ، أيعجبك جلوسك بهذه الطريقة شهرا كاملا ، وماذا بعد ، لابد أن نخرج ياعزيزي ، فالتغيير ضروري بالنسبة لك ، دعنا نذهب إلى مكان مبهج ونبعد عن هذا المكان المحبط !
أجاب : لالا ، صدقني ماعندي مزاج ولا رغبة في الخروج !
قال بحدة : ياصاحبي هذا أمر ، سنذهب عندي ، ففي مجلسي يجتمع مجموعة شباب ظرفاء ، أغلبهم عاطل عن العمل لعدم وجود وظائف ، وقليل يعمل في وظائف هامشية ، لكنهم في مجموعهم سعداء ، لأن آمالهم بسيطة ورغباتهم محدودة ، هيا ، هيا قم غير ملابسك ودعنا نذهب من هنا !

حين دخلا المجلس الصاخب ألقيا السلام ، فجاءهما الرد زاعقا من بعض الرفاق الجالسون على أرضه !
فالذيهناك شابا عازبا يسكن في الدور الأرضي بإحدى العمائر الحديثة ، وهذا المجلس هو غرفة المعيشة بشقته البسيطة ، وهذه الغرفة هى موئل أصدقائه ومنتدى لسهراتهم !
كانت هناك شلة تتوسط المجلس ومنهمكون في لعب ورق الكوتشينة في لعبة البلوت الشعبية وأمامهم تلفزيون يعرض أغنية راقصة لمغنية لبنانية ، كانوا بين لحظة وأخرى يختلسون نظرات شبقة للمغنية وللصبايا الراقصات حولها ، ثم يعودون بآهات وحسرات إلى أرض اللعب ! ، وكان هناك مجموعتان من الشباب يدردشون مع بعضهما وهم متئكين على مساند وحشايا ويدخنون الشيشة(النارجيلة) ، وكان يخدم من بالمجلس رجل كبير في السن ذي عين جاحظة ولحية محناه وعمامة معقوفة فوق رأسه على الطريقة الحجازية !
كان المجلس صاخبا في كل شيئ ، في صوت الغناء ، وصياح اللاعبين ، وجدال البعيدين ، وحتى في الدخان الكثيف الذي يتصاعد من السجائر ومن الشيشتين !
فجأة نادي الذيهناك بصوت مرتفع : ياشيبة !
قام الرجل العجوز من جوار اللاعبين وجاء مهرولا بالبراد وصينية الأكواب ، وضع الصينية على الأرض ثم أخذ يصب الشاى من البراد ثم ناول كلا منهما بيالته (كأسا صغيرة زجاجية لها يد) ، أثناء ماكانا يرشفان الشاى المنعنع كان العجوز ينظر بتفحص وإهتمام للضيف !
حين إنتهيا سارع بصب الشاى مرة أخرى في البيالات الفارغة ، فلما سمع نداء أحد اللاعبين : ياشيبة ، تركهما وهرع ناحية النداء !
قام الذيهناك بتعريف الموجودين بالمجلس لصاحبه : شلة البلوت هذه ياعزيزي ، كلهم عاطلين عن العمل مع أنهم حاصلون على الثانوية ، وشلة الشيشة المجاورون لنا يعملون ، الأول موظف إستقبال بأحد المستوصفات ، والثاني سائق تاكسي ، والثالث معقب بأحد الشركات الأهلية ، أما الشلة المقابلة فجميعهم يبيع الخضار بالسوق ، وسوف تندهش لماذا هم هنا ؟ لأنهم قد وظفوا من الباطن بعض البنغاليين ، أما هذا المتأنق وسطهم ، فإنه يعمل سكرتيرا بمكتب محامي !
أما الشيبة الداهية ، ثم ضحك ، فهو رجل طيب يعول أسرة ، وهو يخدمنا كل مساء ، ونعطيه اللي فيه النصيب كل أول شهر !
علا صوت أحد اللاعبين فوق كل الأصوات قائلا : إلعب يا ثووووور !
فعاجله صديقه بين قهقة الزملاء : أنا اللي ثووووور يابديوي ، أنسيت ، أنسيت من ذهب منكم في زيارة لإندونيسيا إيش قال حين سألوه عن البلد ، قال : والله ياعيال ، البلد كلها خضار ، ومن كتر مزارعها ودك تكون عنز ! .. ضحكات وصراخ وتريقة تقاذفها اللاعبين !
لكن الأول بسرعة بديهة لم يجعله يتهنى على فوزه فصاح : وإيش تقول على واحد من ربعكم زار الرياض وشاهد برج المملكة ، فلما سألوه عنها قال هى فتاحة بيبسي ! هاهاها .. هاهاها .. قهقهات منتشية وسعيدة بهذا التنادم ، لم يقطعه إلا : بيب بيب .. بيب بيب ، الرنين الحاد لأحد الجوالات ، تناوله صاحبه وبعد أن قرأ الشاشة صاح بالجميع : قولوا معي آمين !
قال قائلهم : وعلى ماذا نقول ؟!
أجاب مبتسما : هذا دعاء حار عن الأسهم !
صوت : طيب أسمعنا إياه ! ، قال : أوكي ، إسمعوا :
اللهم إنا نعوذ بك من سهم لا ينفع ،
ومساهم لا يشبع ، ومؤشر أحمر لا يرفع ........ "آمين" رددها الجميع بصوت واحد !
اللهم إرحم الناس ، وخضر الشاش ،
وإصعد بالأسهم الخشاش ........ "آمين" رددوها
اللهم خذ بيد المتاولين والمتداولات ،
والخاسرين والخاسرات ، الأحياء منهم والأموات !
الهم إجبر كسرهم ، وزد نسبتهم ،
اللهم عليك .. بهواميرالسوق ،
ومن سعى في أسهمنا بسوء ،
عليك بمن أكلوا اللحم واللية ،
وتركوا الشغث والعظم للرعية ........ "آمين يارب العالمين" !

لاحظ الذيهناك أن صاحبه قد تأثر بالدعاء ، فقد إسود وجهه وهوكظيم ، وشحب وإنتحب وأصابه غم عظيم ، فمال عليه ليؤنسه : بالمناسبة ، ماهى أخبار هاموركم العظيم ؟
"" لا أدري ، لم يعد أحد يراه أو يستطيع الإتصال به ، غاب .. إختفى .. إنقلع ، فص ملح وذاب ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، جعلنا هو وأمثاله نفقد الثقة في كل شيئ ، صار كل شيئ في عيوننا زائف ، الناس ياعزيزي في هذا الزمان تتجمل لتخفي قبحها ، يضعون المساحيق ، يلبسون المسوح والأقنعة ، يمسكون المسابح ويتمتمون بالحكم والمواعظ والآيات ، يضعون بسمة موناليزية على شفاهم ويمشون بها في الأسواق "" كانت هذه نفثات القهر والغضب التي زفرها الذيهنا ردا على تساؤل صاحبه !
لم يعلق صاحبه لكنه رفع عقيرته مناديا : ياشيبة !
جاء مسرعا وجلس على الأرض قبالتهم وأخذ يصب الشاى ، ناول بيالة لهذا ثم الأخرى لذاك وأخذ يطالعهما ، كان الذيهنا من شدة نرفزته قد تعرق ، فمد يديه يبعد عقاله وشماغه عن رأسه ، ومع هذا ظل ضوء المجلس منعكسا على حبات من العرق فوق جبهته ، ويبرز قسمات العبوس الظاهرة على وجهه المكتئب ، بعد أن صب لهم مرة ثانية ، عزم الشيبة على أن يزيل هذا العبوس من وجه الضيف ، فقال له وهو يبتسم : أتريد أن ترى كيف أعض عيني ؟
إندهش الذيهنا بما سمعه ، فلم يكن يتوقع حديثا معه ، بل لم يستسغ أصلا هذا العرض الغريب الشاذ ، ومع ذلك سأله بأدب بعد أن إستحوذ عليه حب الإستطلاع : وهل يمكنك حقا (عض عينك) كما ذكرت ؟
أجاب الشيبة مجلجلا : طبعا أستطيع !
هز الذيهنا رأسه مستغربا ثم قال وهو يمط شفتيه : إذا أرني كيف تفعل ذلك !
أسرع الشيبة بيده إلى عينه اليسرى الجاحظة ، أمسكها ثم أخرجها من مقلتها ثم وضعها بين أسنانه وعضها ثم أعادها إلى كهفها !
لأول مرة منذ شهر يضحك من قلبه ، وتبعه صديقه ثم كل الموجودين ، حتى إرتج المجلس ، وحين توقفت الضحكات والتعليقات وسكن الجميع ، أعاد الشيبة نفس العرض ببلاهة : أتريد أن ترى كيف أعض عيني ؟
تبسم الذيهنا بسخرية وأجاب : قديمة ياالشيبة ، إلعب غيرها !
قال الشيبة بعزم وإصرار : أنا فعلا ألعب غيرها ، أقسم لك أني سأعض عيني دون أن أخرجها من مكانها !
قال الذيهنا غير مصدق : مستحيل !
أجابه الشيبة بسرعة : لا يوجد مستحيل !
"" أتحداك "" قالها الذيهنا بغيظ !
قال الشيبة : قبلت التحدي ، لكن عليك إعطائي مئة ريال لأفعلها ، فإن فشلت فسأرد عليك مئتين !
تدخل الذيهناك : مافي داعي للفلوس ياالشيبة ، هذا قمار !
الشيبة غير مبالي : كل شيئ في هذه الدنيا قمار !
أعطاه الذيهنا الورقة وهو يقول : هذه هى المائة ، أرنا كيف تفعل المستحيل !
أخذ الشيبة الورقة ووضعها أمام عينه السليمة يتفحصها ، بعد أن إطمأن أخذ يطويها بعناية ثم أودعها جيبه ، بعدها رفع يده إلى عينه ، لكن الذيهنا صاح محذرا : أأأ ، أثانية ستخرجها ، ضحك الشيبة وقال : لا ، لن أخرجها ، فقط كنت أريد أن ألمعها !
ثم ، بحركة بهلوانية خاطفة مد يده داخل فمه ورج أسنانه إلى أن خرج طقمها في يده ، ثم رفع الطقم إلى عينه التي كان يريد جليها وقبض عليها برهة بالطقم ، ثم أعاده ثانية إلى داخل فمه وأخذ يلوكه !
قرقعة قهقهات ، وفرقعة تعليقات ، قطعت الصمت الذي كان مخيما على المجلس أثناء التحدي ، فعاد المجلس إلى صخبه المعتاد !
من شدة الحرج ، ومن كثرة العرق ، ومن نكد الدنيا وزيفها ، ومن تفاعل الحدث مع ماكان يزوبع داخله ويؤلمه ، فقد إكتشف فجأة من منازلة الشيبة ، أنه من فظاظته وغلظة قلبه ، هو :
"" الذي .. عض عينه "" ! ولما كانت عينه طبيعية وليست زجاجية ، فقد إنغرست أسنانه فيها وأدمتها ! عند وصوله لهذه النتيجة إنهار داخليا ، فقام منكودا من قعدته يتعكز على كتف صاحبه حتى إنتصب ، ثم سأله بألم مبين : أين الحمام ؟
أجابه مشيرا بيده وهو يطالعه ويرثي لحاله : بعد الباب إتجه يمين ! خرج الذيهنا تجره وتسحبه قدماه ، خرج إلى الحمام ، لكنه أيضا لم يعد!

مرت عدة أسابيع على خروجه ، حاول صديقه العثور عليه في أى مكان يعرفه فلم يوفق ، كان يريد أن يعطيه عقاله وشماغه الذي نسيهما ، ويعطيه مداسه الذي تركه عند الباب ، ويعطيه مفاتيح السيارة التي تركها أمام البيت ، لكنه فشل في العثورعليه ليرد له ودائعه !
خلال الشهور التي مضت ، سرت شائعات كثيرة حوله ، بعضهم قال :
"" أنه رآه بأسمال قذرة بالية ، هائم على وجهه بالطرقات يستقبل المارة ، يصافح هذا ، ويودع ذاك "" !
وبعضهم جزم "" بأنه رآه ملتحيا وبملابس الإحرام ، يطوف مع الطائفين حول البيت العتيق بمكة المكرمة ، يطوف بلا إنقطاع "" !
وآخرهم أكد عن يقين بأنه علم أنه "" تطوع للجهاد ، وسافر إلى العراق ، لمحاربة الكفار "" !

( مصطفى سكر – جدة – 2006)

 
At 8:58 PM, Blogger arabicshortstory said...

A very good story will make your tear continuilly flow, thank you Mostafa Sokkar

 
At 2:03 AM, Blogger arabicshortstory said...

Thank you too for your constructive comments, I am truly happy that some one some where reading a subjective good story, I promise that you will read more good stories in the comming future, Best regards. dear.
Dr.Mostafa

 
At 2:11 AM, Blogger arabicshortstory said...

صطفى سكر

تشخيص حالة النظام




حين كنت صغيرا كنت منطويا وخجولا ، ولهذا إخترت الصفوف الخلفية لي مستقرا يوم أن بدأت الدراسة الإبتدائية ، حتى أكون بعيدا عن مجابهة المدرس ومتخذا من الجمهرة التي أمامي (خلف ساتر) !
لكن مع تقدم المراحل كنت أتقدم الصفوف ، حتى صرت في الصف الأول من حجرة الدراسة ، وكان السبب ليس شطارتي أو جراءتي ، بل صعوبة رؤيتي لما يكتب على السبورة السوداء الكالحة !
وحين إنتقلت إلى مرحلة أعلى (المتوسطة أو الإعدادية) صرت لا أرى جيدا ما يكتب فإعتمدت على أذناى ألتقط بهما أقوال المدرس وأحفظها ، لكني ذات مرة أحرجت حرجا شديدا ، حين طلب مني أحد المدرسين قراءة المكتوب على السبورة فعجزت ، وإعتقد المدرس وهو يصيح غاضبا أني غير مستطيع : " ءإلى الآن لا تستطيع القراءة ؟! ".
فقلت بصوت مرتعش لا يغطي على صوت قهقهات التلاميذ : " بلى أستطيع ، لكني لا أرى جيدا ماهو مكتوبا على السبورة ! ".
فأمرني بالإقتراب فإقتربت ، ثم أخذت أقرأ ماهو مكتوب بصوت عالي ، بعدها قاموا بتحويلي على الوحدة العلاجية بالمستشفى الحكومي لفحص نظري .
بعد كشف النظر وفحص قاع العين والشبكية ، أى تشخيص حالة النظام البصري ، قال الطبيب أن عندي ضعف في الإبصار وقصر شديد للرؤية ، وأن علاجي هو النظارة الطبية ، وأعطاني وريقة بها مقاسات العدسات ، وطلب مني أن أجعل أهلى يفصلون لي نظارة في أى محل للنظارت بهذه المقاسات ، وبشرني بأن رؤيتي ستتحسن كثيرا حين أضع النظارة فوق أنفي !
"" لكن قبل أن أكمل .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" !

ومن يومها وسمني العيال (التلاميذ) أبو أربع عيون ، وقبلت نعتهم هذا بكل سرور لأن ما ربحته من النظارة كان يفوق سخريتهم مني !
ثم تعددت على أرنبة أنفي النظارات بمرور السنوات ، لأن العدسات كانت تزداد سماكة من سنة لأخرى ، لدرجة أن زجاجها أصبح يظهر هالات دائرية حول عينايّ والتي كانت تبدو لمن ينظر إليها ، أنها ضيقة وصغيرة كما العيون الصينية !
وحين تخرجت من الجامعة وتوظفت بعدها ، إنتقلت على ألسنة زملائي من مسمى إلى آخر ،
ففي الدراسة كنت أبو أربع عيون ، أما في العمل فقد سموّني أبو درابيل ، ذلك لأن عدسات نظارتي قد أصبحت في سماكة قعر الكوب الزجاجيّ ، أو في سماكة عدسات الدربيل ( نظارة الميدان الحربية ) !
ثم بدأت أفكر في الزواج مثل أقراني ، وحين قررت هذا قررت في نفس الوقت التخلص من النظارة ، لأن منظري بها كان منفرا لبنات حواء ، وقد خبرت هذا مما سمعته من إخوتي إنعكاسا لأقوال بنات العائلة أو من أصحابهن اللائي رأوني !
وكانت قد ظهرت في هذه الآونة العدسات اللاصقة ، فعملت فحوصها وإخترت نوعا من العدسات المرنة لعيني ، وبدأت أتدرب في المنزل على تكنولوجيا تركيب وخلع العدسات على عيني حتى نجحت ، والحقيقة أنها عملية مرهقة ومرعبة !
إذ تبدأ العملية بفتح الحافظة البلاستيكية التي تحتوي على عينين ، عين عليها حرف (آر) للعين اليمنى ، وأخرى عليها حرف (إل) للعين اليسرى ، وكنت قبل أن أغمس يدي أغسلها جيدا درءا لتلوث العدسة ، ثم أسقط بأصبعي إلى العدسة الشفافة السابحة في محلول التنظيف ، ورغم أني كنت لا أراها إلا أن (بنت الجنيّة) كانت تشعر هى بأصبعي فتنجذب إليه وتلتصق به ، عندها أرفع أصبعي وأقوم بقلبها على أنمل الأصبع بحيث يكون تقعيرها مقابلا لإستدارة عيني ، وبحرص شديد كنت أقترب بها من عيني ويدي الأخري تفتح جفناى المرتجفان ، حتى تلامس العدسة عيني وتلتصق بها !
لكن في مرات كثيرة كانت بنت الجنيّة ترفض الإلتصاق وتسقط من بين عيني وأصبعي ـ وهذا عذاب آخر الله لا يوريه لأحد ـ إذ كنت أسرع بالجعمزة على الأرض بحثا عنها ، وكنت أدور بحذر في إتجاهات كثيرة وخدي يكاد يلامس الأرض لأستطيع رؤيتها ، لكن كان من العسير العثور عليها ، تماما كصعوبة العثور على سمكة حمراء في البحر الأحمر !
ولكن بنت الجنيّة هذه لم تتوائم مع عيني ، إذ صارت عيني بعد فترة من وضعها تلتهب ودموعي تتوقف ، والدموع لها وظائف خطيرة للعين ، فهى تسقط من محبس علويّ كل لحظة وتنساب إلى حوض سفلي للتصريف ، وبمشوارها هذا تبلل عدسة العين وتبردها ، وتقوم الجفون بتنظيف العدسة مثل ما تفعل مساحات السيارة لزجاجها ، ولك أن تتخيل كيف ستكون حركة مساحات السيارة وهى تتردد يمينا ويسارا على زجاجها الجاف !
وعلى هذا نصحني طبيب العيون بعدم إستعمال العدسات اللاصقة ، لأنها ستسبب لي تخرشا في العين نتيجة حركة الجفون المستمرة بدون تزييت ، وأضاف قائلا : كما أن العدسات اللاصقة لا تصلح للبلاد الحارة المتربة ومشاكلها كثيرة ، وعليك تجنب إستخدامها وفورا !
لكني في هذه الفترة كنت قد إرتبطت بفتاتي ، وخشيت أن ترفضني بعد أن رضيت بشكلي ، وإن كانت في لحظات كثيرة كانت تعيب علىّ إحمرار عيوني ، وكانت تتندر ضاحكة بقول أخواتها :
" كيف حال خطيبك أبو عيون حمرة معكي ؟ " !
فصبرت إلى أن أكملنا زواجنا ، وبعد شهور كشفت لها المستور ، فقلت آسفا :
" ترى ياحبيبتي لقد كذبت عليكي وأنا آسف لذلك ، فقد كان همي أن ترضي بشكلي ، والحقيقة هى أن نظري ضعيف وألبس النظارة ، وكنت أستخدم العدسات حتى تريّني وسيما ، لكنها للأسف بدأت تؤلم عيني وتؤذيها ، فإسمحي لي قبل فوات الأوان أن أعود إلى عويناتي ؟ " .
قالت الزوجة بتفهم : " ما عليك .. إفعل ما يريحك ".
وهكذا بدأت بالرجوع إلى لبس النظارة ، فذهب الإحمرار من عيني ، لكن زوجتي ظلت مدة طويلة تتجنب النظر إلي وجهي ، إذ ظلت تردد على مسامعي : " والله ماني مستسيغة شكل وجهك بهذه الدرابيل ! ".
"" لكن قبل أن أكمل .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" !


ورزقنا الله بالذرية وكبرت المسؤولية ومع السنين كبروا وترعرعوا ، وكبرت أيضا عدسات نظارتي وإزدادت غلظة ، وأصبحت أسيرها فلا أقدر على خلعها وإلا إصطدمت بالأشياء ، ولم أنتبه أنها صارت لازمة أو جزء مني مثل اليد أو الأنف أو الأذن ، إلا حين مررت بأحداث ثلاثة !
الحدث الأول حدث في منزلي ، فمن عاداتي الغير حميدة ـ وما أكثرها ـ أنه في صباح الجمعة أقوم بقراءة جريدتي المفضلة بتمعن من الجلدة إلى الجلدة ، ولا تستهونوا بهذا ، لإن لي طقوسا تعمل قبل أن يتم ذلك !
فبعد الحمام الدافئ ، وبعد صلاة الصبح ، وبعد الإفطار مع الأسرة ، أخرج لإحضار جريدتي من صندوق البريد ، في هذا الوقت تكون زوجتي قد وضعت لي فنجان القهوة المضبوطة على طاولة صغيرة بجوار الكرسي الهزاز في غرفة مكتبي !
وحين هممت مثل كل مرة بالقراءة تذكرت ، فنظرت حولي فلم أجدها ، بسرعة توجهت إلى غرفة النوم ، أضأت نورها ثم توجهت إلى الكمودينو وأضأت الأباجورة وأخذت أتحسس فلم أجدها ، لعبت بيدي تحت المخدات المنبعجة ثم تحت اللحاف المقلوب فلم أجدها ، ذهبت إلى المطبخ وأخذت أحرك يدي فوق الثلاجة حيث أضعها أحيانا بعيدة عن الأيدي فلم أجدها ، فقلت هى قطعا في غرفة الطعام حيث أفطرت ، وهناك بحثت في كل مكان فلم أجدها ، فتنرفزت وتعصبت ، وصرت أتحرك من مكان للآخر كالمجنون وكلمات غاضبة تتساقط من فمي كما تتساقط الحبات الغليظة من مطر سحابة راعدة !
ولم أفطن أن زوجتي كانت تلاحظني لأنها وفجأة سألتني من خلفي : " إشبك متعصب ؟ ".
قلت بغضب : " لا تسألي عن سبب تعصبي لأنكي تعلمينه ، فيديكي الكريمة التي تمتد إلى كل شيئ وحتى إلى أشيائي الخصوصية هى السبب ، وحتى لو كان الغرض هو التنظيم أو الترتيب أو أى زفت آخر ، إلا أن هذه التحركات لأشيائي تتسبب كثيرا في إرباك نظام حياتي ! ".
قالت بصبر : " معلش .. الله يسامحك ، والآن قل لي عما تبحث حتى أدلك عليه ؟ ".
قلت بسخرية ونفاذ صبر : " عما أبحث هاها ، ألا تعرفين أن هذا ميقات قراءة الجريدة ، ثم كيف لي أن أقرأها وقد بحثت عنها في كل مكان ولم أجدها ، أيعجبك الآن ما تفعلينه بحياتي ؟! ".
إبتسمت وهى تقول : " الجريدة مازالت تحت إبطك ! ".
أغاظني عدم فهمها : " ياستي أعرف هذا ، أنا أبحث عن النظاااااااااارة ! ".
فجأة وجدتها تنفجر بالضحك وهى تخبط كفا بكف فزاد هياجي : " أهذا وقت الضحك والخبال ياحرمة ، ثم تعالىّ هنا ، بأى حق تضحكين وقد أوصلتيني أنتي إلي هذا ؟! ".
قالت وما زالت تقهقه بصوت رنان : " ياحبيبي ، يانور عيني ، يابو عيالي ، الله ينور عيونك هذه اللي النظارة معلقة أمامها ولا تستطيع رؤيتها ! ".

والحدث الثاني حدث في عيادة طبيب العيون ، فحين قاربت رخصة قيادتي على الإنتهاء ، إستخرجت الأوراق المطلوبة لتجديدها ، وكان علىّ أن أراجع المستشفي الحكومي لعمل فحص النظر ، وحين جاء دوري ودخلت غرفة الطبيب الذي كان أردنيا ، طلب مني الجلوس على كرسي ووقف هو بجوار اللوحة المضاءة المطبوع عليها حرف (السي) الإنجليزية بإحجام متفاوتة ، طلب مني وضع القصاصة على عيني اليسرى ففعلت ، ثم أشار بعصاته إلى أحد الأحرف طالبا مني تحديد إتجاه فتحة الحرف ، ظللت فترة أبحلق وأدقق فلم تسعفني رؤيتي على تحديد الفتحة ، فزحزحت الورقة قليلا حتى تساعد اليمنى اليسرى ، ثم نطقت : " الفتحة في اليمين " .
طلب مني الطبيب المجيئ ، وحين حضرت وجدت الفتحة المشار إليها في اليسار !
رجعت ثانية إلى مقعدي فأشار إلى أخرى ، فقلت : " يسار " .
فطلب مني الحضور لأجد أن الفتحة في اليمين !
ثم أشار إلى ثالثة فقلت : " فوق " ، ولما ذهبت وجدت الفتحة في الأسفل !
وهكذا تم مع العين الأخري ، فشل ذريع وأمر مريع !
في الحقيقة لقد إغتظت منه وكذلك من نفسي ، وقبل أن أتعصب عليه تذكرت نكتة سمعتها في شبابي جعلتني أسترح وأسترخي وتعود لي روح الدعابة ، النكتة تقول :
( رجل ضعيف النظر مثل حالي ذهب لقياس بصره ، سأله الطبيب : " أين فتحة الحرف ؟ " ،
فقال الرجل : " أى حرف ؟! " ، قال الطبيب : " الحرف الموجود على اللوحة ! " ، سأله الرجل مندهشا : " أى لوحة تقصد ؟ " ، قال الطبيب بزهق : " ياأخي اللوحة المثبتة على الحائط " ، فصاح الرجل مذعورا : " حائط ، وهل هناك حائط ؟! " ) .
عندها قلت لطبيبي ضاحكا : " يادكتور ، الجالس أمامك يقود سيارته منذ ثلاثين سنة لم يرتكب خلالها لا مخالفة ولا حادثا ، ومن خبرتي بالطريق ، أقول أن ما نراه إما عنزة أو بعير ، وإما ولدا أو إمرأة أو رجل أو سيارة ، فكيف بالله عليك تمتحنّي في علامات ضئيلة في ضئالة الحشرات ، أتتوقع منا مثلا رؤية نملة تعبر الطريق فنقف لها حتى تعبر ، والله ما يصير هذا ؟! ".
ضحك الطبيب من قلبه ثم قال مسرورا وهو يخط بقلمه : " حاضر ياسيدي ، سأنجحك في الكشف كرمال سكسوكتك البيضا ! ".

أما الحدث الثالث فقد تم في الشركة ، إذ حضر إلى يوما أحد الزملاء لعمل ما ، وكان هذا الزميل مثلي من أصحاب النظارات الطبية ، ولكن هذه المرة وجدته يرتدي نظارة سوداء شمسية أنيقة ، وحين جلس أمامي خلعها ووضعها فوق مكتبي ، أخذتها بيدي فوجدتها خفيفة جدا ، فسألته :
" أهذه شمسية وطبية معا ؟ " .
رد على مبتسما : " لا هذه شمسية فقط ، فما عدت أستعمل النظارة الطبية منذ أجريت عملية التشريط " .
سألته مندهشا : " وما عملية التشريط هذه ؟! " .
قال : " لقد علمت أن مستشفى سليمان فقيه تعاقدت مع برفيسور عيون لمدة محدودة ، وأن هذا الإستشاري يقوم بتصحيح النظر بتشريط قرنية العين ، ووجدت أن العملية لا تكلف غير مبلغ زهيد ، ووقتها نصف ساعة لا تزيد ، فعملتها وألقيت بالنظارة السخيفة وإلى الأبد ".
قلت من فوري : " ياحليله .. أنا من اليوم قتيله ! " .
"" لكن قبل أن أكمل .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" !

وذهبت إلى الطبيب المداوي ، ووجدت طابورا طويلا في الإنتظار ، لكني لم أيأس وأخذت موعدا بعد شهر ، ومر الشهر على أعصابي ، فالزمن طويل وصبري قليل ، لكن الأمل ويا محلى الأمل كان يصبرني ، أعلل النفس بالآمال أرقبها .. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل (المتنبي) !
وحين جاء موعدي ذهبت إليه طائرا على جناحىّ الأمل والتفاؤل ، وأخذ الطبيب يدخلني من آلة للآلة ، ويقلبني من حالة إلى حالة ، إلى أن إنتهى وقال بهدوء : " أنا آسف ، عينيك بها عيوبا كثيرة ، ولا تنفع حيالها عمليات التشريط ! ".
قلت بإلحاح ومازال الأمل يحدوني : " يادكتور حوّل بدّل ، حاول مرة أخرى ! ".
قال بجدية وصرامة : " لا يمكن صدقني ، نظرك لن ينصلح بعمليات التشريط ولا حتى بعمليات الليزر التي يجرونها في هذه الأيام ، خليك بالنظارة وأرح نفسك " .
خرجت من عيادة الطبيب وقد دهستني شاحنة اليأس ، وأطفأت جذوة أملي رياح القنوط ، فذهبت إلى بيتي أجرجر رجلي منكسا ، وقلت لنفسي المنهزمة : " لا تحزني يانفسي ، دعينا نظل مع هذه النظارة الكئيبة إلى مابقى لنا من زيت في سراج العمر ! ".
لكن زوجتي ـ الله يخليها ـ حين رأتني بهذا الحزن شجعتني قائلة : " لا تيأس إذهب إلى مستشفى المغربي وإسمع من أطباء الليزر ماذا يقولون " .
وفعلا توجهت إلى مستشفى المغربي للعيون القريبة منا في جدة ، ودخلت في دوامة فحوص مجهرية كثيرة إستغرقت أكثر من ساعتين ، بعدها قال الطبيب : " نعم يمكننا تصحيح بصرك ! ".
قلت بفرح شديد وبلهف : " أممكن فعلا أن يصحح نظري وأستغنى عن النظارة ؟! ".
قال ببساطة : " نعم ممكن ، فكل عين ستحتاج إلى عمليتين ، الأولى سترجع حدة البصر بنسبة 80% ثم بعد ستة شهور عملية أخرى تصل به إلى مائة في المائة ، أى أن كل عين ستستغرق
سنة ، يعني بعد عامين ستكون عندك عينين سليمتين ! ".
قلت : " والتكلفة يادكتور ؟ ".
قال : " التكاليف يحسبها قسم الحسابات ، لكن كتقديرا جزافيا ، لن تقل المصاريف عن عشرون ألفا من الريالات ".
بسرعة بديهة أحسد عليها سألته : " إذا كان هذا صحيحا يادكتور ، فلماذا لم تفعل أنت هذه العملية لنفسك وتلقي بالنظارة الطبية جانبا ؟ ".
قال الطبيب الطيب مبتسما : " بصراحة ، أنا لا أحب اللعب في عيني ! ".
نهضت واقفا وأخذت أهز يده بالسلام قائلا : " أشكرك من كل قلبي يادكتور على هذه النصيحة الغالية ! ".

ومرت السنون تكر بعضها كرا ، وأهملت معاناتي مع عويناتي ، وإنشغلت في أمور العيال والعمل والحياة ، إلى أن قربت أجازة الصيف للعام الفائت ، وكنت قد خططت أن أقضيها مع أسرتي في ماليزيا ، لكن حين جاء وقت الجد ، جمعت الأسرة لآخذ رأيهم النهائي ، فقد عودتهم على حياة ديموقراطية سليمة تحسدنا عليها الدول الديموقراطية العتيدة !
قالت إبنتي : " ولماذا ماليزيا ؟ : .
وقال أبنائي: " فلنذهب إلى بولندا ! ".
وقالت الأم : " لن أذهب إلا إلى دولة عربية ، سوريا أو لبنان أو مصر ! ".
نظرت إليهم جميعا فوجدتهم واجمين ، أى هم ينتظرون رأيي ، فإنحزت ـ ليس خوفا منها لكن إحتراما ـ إلى زوجتي قائلا : " خيرا ما قالته أمكم ، لكن سوريا ذهبنا إليها سابقا ولم نشعر فيها بالراحة ، ولبنان كما تعلمون مشاكلها كثيرة وخاصة بعد إغتيال الحريري ، فلنتوجه إذا إلى أم الدنيا مصر ! ".
وفي القاهرة سكننا في شقة بمدينة نصر في شارع مكرم عبيد ، وفي ليلة كنت أسير مع إبني الصغير (سيف) متوجهين إلى مكدونالد القريب لإحضار عشاء للأسرة ، فلفت نظرنا في الجهة المقابلة لشارع مصطفى النحاس عمارة عليها يافطة كبيرة مضاءة لمستشفى إسمها النور للعيون ، فقلت لإبني : " دعنا نذهب إلى هذه المستشفى لعمل كشف على عيوني ، لأني منذ عدة شهور أشكو من غلالة من الضباب أو الغبار تعوق رؤيتي ، لعلهم يعطوني قطرة تنظفها ، وذهبنا !
وفي الحقيقة أنا لا أحب التعامل طبيا مع الأطباء الصغيري السن ، لإقتناعي بقلة خبرتهم ، لكني سلمت أمري إلى الله لهذا الطبيب ذو اللحية الخفيفة والذي يبدو في الخامسة والثلاثين ، كان الطبيب ينتقل بخفة ومهارة من جهاز إلى آخر وهو يتفحص عيوني ، وبعد أن إنتهى أضاء نور الغرفة وقال : " أولا ياحاج (المصريون يطلقون هذا اللقب على القادمين من السعودية) القرنية عندك سليمة ولله الحمد ، لكن عندك مياه بيضاء (كاتراكت) كثيرة متكثفة على عدسة عينك ، وهى التي تغبش رؤيتك للأشياء ! ".
قلت متعلقا بأهداب الأمل : " والحل ؟ ".

قال : " الحل إزالة هذه المياه ، وهى عملية بسيطة بالليزر لا تأخذ سوى دقائق معدودة ، ثم أضاف ، وعينك اليمنى بها إستجماتيزم (إنحراف) أربع درجات ، ويمكن أيضا تصحيحه بالليزر ، ثم .. لماذا هذه النظارة السميكة التي تشوه منظرك وتلهب عظمة أنفك من ثقلها ، لو أردت لزرعت لك عدسات أبدية داخل العين تريحك منها ؟ ".
في الحقيقة قوله هذا لقى صدى طيبا في نفسي ، وأعاد إحياء أملي وبعث في داخلي إشراقا كان قد خبى لحلم قديم مضى وإنقضى ، فأسرعت بسؤاله : " هل ما تقول يادكتور أكيد ومضمون ، أم أن له آثارا جانبية قد تؤثر مستقبلا على رؤيتي ؟! ".
قال الطبيب واثقا : " ياحاج ، العمليات هذه أصبحت بسيطة جدا مثل شرب كوب الماء ، وأنا
ـ ولله الحمد ـ أجريت آلافا منها سواء في لندن حيث درست وعملت ، وأيضا هنا ، دون أى نسبة ولو ضئيلة من الفشل ! ".
رجعت ثانية إلى غيّي القديم وسألته : " وكم ستكلف العملية يادكتور ؟ ".
قال : " ستكلف سبعة آلاف جنيه للعينين ".
قلت : " والوقت ؟ ".
قال : " حوالىّ خمس دقائق ! ".
قلت غير مصدقا : " خمس دقائق للعينين ؟! ".
قال واثقا ولكن بدون غرور : " نعم " .
وإتفقنا ، ورغم إعتراض أسرتي وخوفهم علىّ وعلى عيوني ، إلا أنهم رافقوني بعد يومين ، وخرجت من غرفة العمليات بعد ست دقائق ، وصحبتني أسرتي إلى سكننا !

وفي صباح ثاني يوم ، إلتفت الأسرة حولي قبل أن أنزع الضمادات ، كان الجميع يدعو وهم في ترقب مشوب بالقلق والهلع ، وكنت أنا الآخر أشد منهم قلقا وهلعا ، لكني لم أظهر لهم هذا بصفتي كبيرهم ومفروض أني أشجعهم ، لهذا تقمصت شجاعة طارئة تشبه شجاعة إبن الوليد عندما كان يجوس بفرسه في عمق جند الروم في موقعة اليرموك ، وقلت بسم الله ، الله واكبر وأخذت أنزع الضمادات !
ولما فتحت عيناى فوجئت بأن أنوار الغرفة ساطعة أكثر من اللازم ، فجفلت ووضعت يدي فوق عيناى وأنا أقول : " ماكل هذه الأنوار الباهرة أطفئوا بعضا منها لو سمحتم ؟! ".
لكنهم قالوا : " إنها لمبة واحدة مضاءة بالسقف ، فإن أطفأناها أظلمت الغرفة ! ".
فبدأت أفتح عيني مرة أخرى بالتدريج ، ياسبحان الله ، أكان كل هذا النور موجودا ومحجوبا عني ، بالطبع كان موجودا لكني لم أكن أراه !
في ظل هذا النور الذي كنت لا أراه ، أصبحت أرى أدق الأشياء التي كنت محروما منها ، صرت لا أتخبط في الأشياء ، وصرت أقرأ اللوحات البعيدة المعلقة فوق المباني ، وصرت أرى الطريق واضحا أثناء قيادتي ، لدرجة أني لو رأيت الآن نملة تعبر الطريق لتوقفت لها إحتراما وإجلالا حتى تعبر الطريق آمنة ، فلقد أشرقت الأرض بنور ربها ! ...
القصة إنتهت ، والآن "" .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" ، آه معذرة ، نسيت أن أذكر لكم حكاية منديلي !
أنا في الحقيقة كاتب غريب أوغير طبيعي أو معلول ، فحين أجلس للكتابة إليكم تنتابني حالة مرضية غريبة ، إذ يرتفع ضغط دمي وترتعش أطرافي وتنتابني حمى ، وأشد ما يتأثر عندي هو رأسي ، فأجدها تغلي وتفور وترتفع درجة حرارتها وتصير مثل رأس الموقد ، وقد شطح بي تفكيري وأوهمني أن رأسي ، ماهى إلا رأسا نووية ، ولهذا إن لم أبادر بوضع منديلا مبللا عليها لتبريدها ، وغمره بالماء من آن لآخر ، فإنها سوف تنفجر وتقضي على الأخضر واليابس ، وعليه وحفاظا على سلامتكم أترك الكتابة مرات كثيرة لأذهب إلى الصنبور لأبلله ، لهذا لزم التنويه ورجوت معذرتكم ، وتصبحون على خير!



ـ جدة ، يناير 2007

 

Post a Comment

<< Home