حكايا الجامعيات الثلاث: بعن أجسادهن بحفنه من القروش
حكايا الجامعيات الثلاث: بعن أجسادهن بحفنه من القروش
الاخبار المحلية
تشير وقائع هذه الدعوى إلى ثلاث صبايا (و) و(ص) و(ك) شكلن نواة خلية دعارة سرية.. حيث تعود هذه النواة إلى عام 2000، عندما جاءت (ص) إلى الجامعة وتعرفت على (م) مصادفة في محل لبيع الألبسة النسائية ذات العشر نجوم
فدار الحديث بينهن عندها عرفت (م) أن (ص) طالبة جامعة سنة أولى وهي تعمل في محل لبيع الألبسة حيث سألتها حين ذاك عن مقدار راتبها فأجابتها بأنها تقبض /600/ ل. س في الجمعة وتداوم من العاشرة صباحاً حتى الثامنة في الشتاء والعاشر ة في الصيف..
امتعضت (م) من طول هذا الدوام من جهة وضعف الأجرة من جهة ثانية.. ولكونها جميلة وفقيرة ومحتاجة للعمل استغلت ظروفها وعرضت عليها أن تساعدها وبطريقة راقية وسوف تعطيها بالشهر عشرة آلاف ل.س في الشهر وتأكل وتشرب وتنام وإذا أحبت تلبس ثيابها.. وبعد فتر ة عادت (م) مرة ثانية لشراء الثياب الفاخرة.. فقالت حين ذاك حرام عليك يا (ص) أن تدفني هذا الجمال وهذا الحضور في هذا المكان.. ولأنه سوف يأتي وقت لا يتطلع عليك أحد في المستقبل.. لم يمض يومان بعد ذلك.. حتى اتصلت (ص) بـ (م) التي حضرت على الفور وأخذتها بسيارتها الفاخرة.. إلى منزلها الفاخر أيضاً وبعد احتساء القهوة ادخلت (م) (ص) إلى غرفتها الخاصة وعرفتها على المطبخ والحمام.. وغرفة الضيوف والبهو الكبير تناسق وكأنه مسرح أو مرقص.استغربت (ص) بأن (م) لديها بدل الخادمة اثنتين.. وليس لديها أطفال.. فتساءلت لماذا إذاً هي موجودة في هذا البيت مادامت لن تعمل خادمة؟!.. ولا مدرسة وإنما فقط تكون موجود ة في البيت.. عند ذلك سألت (م) عما يجري.. ولماذا سوف تقبض المبلغ المذكور.. ولماذا هي بالذات.. فردت عليها أنا أحببتك مثل بنتي.. وكونك فقيرة ومحتاجة وليس عندك أحد هنا.. وطلبت منها عدم الاكثار من الأسئلة لأن سهرة اليوم سوف تجيب على أسئلتها كلها.. وفعلاً في المساء، حضر شخص ظهر عليه الجاه والنعمة ..تقول (ص): طلبت مني (م) أن أقدم له الشاي والقهوة وأن أجالسه حتى تلبس ثيابها وفعلاً فعلت وعندما حضرت أردت الاستئذان غير أنها رفضت وطلبت مني البقاء وانتهت السهرة وفي اليوم الثاني جاء الرجل ذاته وكان يحمل معه هدية لي وكانت أكبر مما أتوقع وبدأت السهرة حيث طلبت مني (م) أن أرقص أمام ضيفي وصاحب هديتي.. وفعلاً رقصت وفي اليوم التالي تكرر المشهد ذاته وفي اليوم الذي بعده.. وبعد أسبوع جاء الرجل وبعد تناول العصير طلبت مني (م) أن أهتم به ريثما تعود.. وبعد أن قدم لي هدية أيضاً كانت متميز ة وهذه المرة كانت طقماً من الذهب.. طوق وأسوارة وخاتم وحلق.. قال لي بأنه نجح في تحقيق صفقة هذا اليوم ويريد أن يحتفل و«ينبسط».. واتصل إلى مطعم وطلب سفرة كاملة من الطعام والفواكه والشراب والمشروبات الروحية وبعد تناول الطعام طلب أن أرقص له وفعلاً رقصت وبعد ذلك طلب مني أن اشرب معه المشروب فرفضت في البداية وقبلت أن اشرب فقط الليلة.. وفي اليوم الثاني جاء ومعه شخص آخر وسهرنا معاً حيث طلب مني الرجل الجديد أن أعرفه على صبية جميلة مثلي ولي حلوان أحدده أنا.. عندها خطر على بالي زميلتي (ك) وبعد مضي /17/ يوماً جاء رجل آخر (ثالث) وطلبت مني (م) أن أجد واحدة تسهر معه حتى لا يبقى وحده فجاء ببالي (و) وهي و(ك) زميلاتي في الجامعة ولكن بسنوات مختلفة ومنذ ذلك اليوم لا يكاد يمر يوم أو يومان إلا وتكون لدينا سهرة.. وفي ذات يوم بعد منتصف الليل جاءت مجموعة من عناصر الأمن الجنائي واصطحبونا إلى الفرع.. وتأيدت الوقائع بالأدلة التالية: ضبط فرع الأمن الجنائي والمتضمن اعتراف (م ـ ص ـ و ـ ك) و (ع ـ ط ـ أ) والذي يتلخص بأنهم شكلوا شلة تسهر وترقص وتنبسط وتحتفل بإقامة أعياد ميلاد لعناصر الشلة أو الاحتفال بتحقيق انجازات على صعيد العمل.. وأن كل ما جرى كان بإرادة الجميع دون إكراه ورفضوا ما اسند إليهم حول تناول الحشيش المخدر في الأركيلة وأن ما ضبط في تلك الليلة كان مصادفة وحيث ثبت لهيئة هذه المحكمة وما جرى أمام قاضي التحقيق بأن هذه الجماعة المؤلفة من المتهمين المذكورين قد شكلوا شلة تمارس الدعارة السرية وتناول المشروبات الروحية وقد ثبت ذلك في التحقيقات الأولية.. وحيث إن فعل المتهمين المذكورين والحال ما ذكر يشكل جنحة الدعارة السرية لقاء المنفعة المادية لذلك تقرر وعملاً بالمادة /309/ أصول جزائية تجريم المتهيمن المذكورين ووضعهم لأجل ذلك في السجن لمدة /سنة/ واحدة وحساب مدة التوقيف من أصل المحكومية.. وحجرهم وتجريدهم مدنياً.
تشرين
http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=14056

2 Comments:
صطفى سكر
تشخيص حالة النظام
حين كنت صغيرا كنت منطويا وخجولا ، ولهذا إخترت الصفوف الخلفية لي مستقرا يوم أن بدأت الدراسة الإبتدائية ، حتى أكون بعيدا عن مجابهة المدرس ومتخذا من الجمهرة التي أمامي (خلف ساتر) !
لكن مع تقدم المراحل كنت أتقدم الصفوف ، حتى صرت في الصف الأول من حجرة الدراسة ، وكان السبب ليس شطارتي أو جراءتي ، بل صعوبة رؤيتي لما يكتب على السبورة السوداء الكالحة !
وحين إنتقلت إلى مرحلة أعلى (المتوسطة أو الإعدادية) صرت لا أرى جيدا ما يكتب فإعتمدت على أذناى ألتقط بهما أقوال المدرس وأحفظها ، لكني ذات مرة أحرجت حرجا شديدا ، حين طلب مني أحد المدرسين قراءة المكتوب على السبورة فعجزت ، وإعتقد المدرس وهو يصيح غاضبا أني غير مستطيع : " ءإلى الآن لا تستطيع القراءة ؟! ".
فقلت بصوت مرتعش لا يغطي على صوت قهقهات التلاميذ : " بلى أستطيع ، لكني لا أرى جيدا ماهو مكتوبا على السبورة ! ".
فأمرني بالإقتراب فإقتربت ، ثم أخذت أقرأ ماهو مكتوب بصوت عالي ، بعدها قاموا بتحويلي على الوحدة العلاجية بالمستشفى الحكومي لفحص نظري .
بعد كشف النظر وفحص قاع العين والشبكية ، أى تشخيص حالة النظام البصري ، قال الطبيب أن عندي ضعف في الإبصار وقصر شديد للرؤية ، وأن علاجي هو النظارة الطبية ، وأعطاني وريقة بها مقاسات العدسات ، وطلب مني أن أجعل أهلى يفصلون لي نظارة في أى محل للنظارت بهذه المقاسات ، وبشرني بأن رؤيتي ستتحسن كثيرا حين أضع النظارة فوق أنفي !
"" لكن قبل أن أكمل .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" !
ومن يومها وسمني العيال (التلاميذ) أبو أربع عيون ، وقبلت نعتهم هذا بكل سرور لأن ما ربحته من النظارة كان يفوق سخريتهم مني !
ثم تعددت على أرنبة أنفي النظارات بمرور السنوات ، لأن العدسات كانت تزداد سماكة من سنة لأخرى ، لدرجة أن زجاجها أصبح يظهر هالات دائرية حول عينايّ والتي كانت تبدو لمن ينظر إليها ، أنها ضيقة وصغيرة كما العيون الصينية !
وحين تخرجت من الجامعة وتوظفت بعدها ، إنتقلت على ألسنة زملائي من مسمى إلى آخر ،
ففي الدراسة كنت أبو أربع عيون ، أما في العمل فقد سموّني أبو درابيل ، ذلك لأن عدسات نظارتي قد أصبحت في سماكة قعر الكوب الزجاجيّ ، أو في سماكة عدسات الدربيل ( نظارة الميدان الحربية ) !
ثم بدأت أفكر في الزواج مثل أقراني ، وحين قررت هذا قررت في نفس الوقت التخلص من النظارة ، لأن منظري بها كان منفرا لبنات حواء ، وقد خبرت هذا مما سمعته من إخوتي إنعكاسا لأقوال بنات العائلة أو من أصحابهن اللائي رأوني !
وكانت قد ظهرت في هذه الآونة العدسات اللاصقة ، فعملت فحوصها وإخترت نوعا من العدسات المرنة لعيني ، وبدأت أتدرب في المنزل على تكنولوجيا تركيب وخلع العدسات على عيني حتى نجحت ، والحقيقة أنها عملية مرهقة ومرعبة !
إذ تبدأ العملية بفتح الحافظة البلاستيكية التي تحتوي على عينين ، عين عليها حرف (آر) للعين اليمنى ، وأخرى عليها حرف (إل) للعين اليسرى ، وكنت قبل أن أغمس يدي أغسلها جيدا درءا لتلوث العدسة ، ثم أسقط بأصبعي إلى العدسة الشفافة السابحة في محلول التنظيف ، ورغم أني كنت لا أراها إلا أن (بنت الجنيّة) كانت تشعر هى بأصبعي فتنجذب إليه وتلتصق به ، عندها أرفع أصبعي وأقوم بقلبها على أنمل الأصبع بحيث يكون تقعيرها مقابلا لإستدارة عيني ، وبحرص شديد كنت أقترب بها من عيني ويدي الأخري تفتح جفناى المرتجفان ، حتى تلامس العدسة عيني وتلتصق بها !
لكن في مرات كثيرة كانت بنت الجنيّة ترفض الإلتصاق وتسقط من بين عيني وأصبعي ـ وهذا عذاب آخر الله لا يوريه لأحد ـ إذ كنت أسرع بالجعمزة على الأرض بحثا عنها ، وكنت أدور بحذر في إتجاهات كثيرة وخدي يكاد يلامس الأرض لأستطيع رؤيتها ، لكن كان من العسير العثور عليها ، تماما كصعوبة العثور على سمكة حمراء في البحر الأحمر !
ولكن بنت الجنيّة هذه لم تتوائم مع عيني ، إذ صارت عيني بعد فترة من وضعها تلتهب ودموعي تتوقف ، والدموع لها وظائف خطيرة للعين ، فهى تسقط من محبس علويّ كل لحظة وتنساب إلى حوض سفلي للتصريف ، وبمشوارها هذا تبلل عدسة العين وتبردها ، وتقوم الجفون بتنظيف العدسة مثل ما تفعل مساحات السيارة لزجاجها ، ولك أن تتخيل كيف ستكون حركة مساحات السيارة وهى تتردد يمينا ويسارا على زجاجها الجاف !
وعلى هذا نصحني طبيب العيون بعدم إستعمال العدسات اللاصقة ، لأنها ستسبب لي تخرشا في العين نتيجة حركة الجفون المستمرة بدون تزييت ، وأضاف قائلا : كما أن العدسات اللاصقة لا تصلح للبلاد الحارة المتربة ومشاكلها كثيرة ، وعليك تجنب إستخدامها وفورا !
لكني في هذه الفترة كنت قد إرتبطت بفتاتي ، وخشيت أن ترفضني بعد أن رضيت بشكلي ، وإن كانت في لحظات كثيرة كانت تعيب علىّ إحمرار عيوني ، وكانت تتندر ضاحكة بقول أخواتها :
" كيف حال خطيبك أبو عيون حمرة معكي ؟ " !
فصبرت إلى أن أكملنا زواجنا ، وبعد شهور كشفت لها المستور ، فقلت آسفا :
" ترى ياحبيبتي لقد كذبت عليكي وأنا آسف لذلك ، فقد كان همي أن ترضي بشكلي ، والحقيقة هى أن نظري ضعيف وألبس النظارة ، وكنت أستخدم العدسات حتى تريّني وسيما ، لكنها للأسف بدأت تؤلم عيني وتؤذيها ، فإسمحي لي قبل فوات الأوان أن أعود إلى عويناتي ؟ " .
قالت الزوجة بتفهم : " ما عليك .. إفعل ما يريحك ".
وهكذا بدأت بالرجوع إلى لبس النظارة ، فذهب الإحمرار من عيني ، لكن زوجتي ظلت مدة طويلة تتجنب النظر إلي وجهي ، إذ ظلت تردد على مسامعي : " والله ماني مستسيغة شكل وجهك بهذه الدرابيل ! ".
"" لكن قبل أن أكمل .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" !
ورزقنا الله بالذرية وكبرت المسؤولية ومع السنين كبروا وترعرعوا ، وكبرت أيضا عدسات نظارتي وإزدادت غلظة ، وأصبحت أسيرها فلا أقدر على خلعها وإلا إصطدمت بالأشياء ، ولم أنتبه أنها صارت لازمة أو جزء مني مثل اليد أو الأنف أو الأذن ، إلا حين مررت بأحداث ثلاثة !
الحدث الأول حدث في منزلي ، فمن عاداتي الغير حميدة ـ وما أكثرها ـ أنه في صباح الجمعة أقوم بقراءة جريدتي المفضلة بتمعن من الجلدة إلى الجلدة ، ولا تستهونوا بهذا ، لإن لي طقوسا تعمل قبل أن يتم ذلك !
فبعد الحمام الدافئ ، وبعد صلاة الصبح ، وبعد الإفطار مع الأسرة ، أخرج لإحضار جريدتي من صندوق البريد ، في هذا الوقت تكون زوجتي قد وضعت لي فنجان القهوة المضبوطة على طاولة صغيرة بجوار الكرسي الهزاز في غرفة مكتبي !
وحين هممت مثل كل مرة بالقراءة تذكرت ، فنظرت حولي فلم أجدها ، بسرعة توجهت إلى غرفة النوم ، أضأت نورها ثم توجهت إلى الكمودينو وأضأت الأباجورة وأخذت أتحسس فلم أجدها ، لعبت بيدي تحت المخدات المنبعجة ثم تحت اللحاف المقلوب فلم أجدها ، ذهبت إلى المطبخ وأخذت أحرك يدي فوق الثلاجة حيث أضعها أحيانا بعيدة عن الأيدي فلم أجدها ، فقلت هى قطعا في غرفة الطعام حيث أفطرت ، وهناك بحثت في كل مكان فلم أجدها ، فتنرفزت وتعصبت ، وصرت أتحرك من مكان للآخر كالمجنون وكلمات غاضبة تتساقط من فمي كما تتساقط الحبات الغليظة من مطر سحابة راعدة !
ولم أفطن أن زوجتي كانت تلاحظني لأنها وفجأة سألتني من خلفي : " إشبك متعصب ؟ ".
قلت بغضب : " لا تسألي عن سبب تعصبي لأنكي تعلمينه ، فيديكي الكريمة التي تمتد إلى كل شيئ وحتى إلى أشيائي الخصوصية هى السبب ، وحتى لو كان الغرض هو التنظيم أو الترتيب أو أى زفت آخر ، إلا أن هذه التحركات لأشيائي تتسبب كثيرا في إرباك نظام حياتي ! ".
قالت بصبر : " معلش .. الله يسامحك ، والآن قل لي عما تبحث حتى أدلك عليه ؟ ".
قلت بسخرية ونفاذ صبر : " عما أبحث هاها ، ألا تعرفين أن هذا ميقات قراءة الجريدة ، ثم كيف لي أن أقرأها وقد بحثت عنها في كل مكان ولم أجدها ، أيعجبك الآن ما تفعلينه بحياتي ؟! ".
إبتسمت وهى تقول : " الجريدة مازالت تحت إبطك ! ".
أغاظني عدم فهمها : " ياستي أعرف هذا ، أنا أبحث عن النظاااااااااارة ! ".
فجأة وجدتها تنفجر بالضحك وهى تخبط كفا بكف فزاد هياجي : " أهذا وقت الضحك والخبال ياحرمة ، ثم تعالىّ هنا ، بأى حق تضحكين وقد أوصلتيني أنتي إلي هذا ؟! ".
قالت وما زالت تقهقه بصوت رنان : " ياحبيبي ، يانور عيني ، يابو عيالي ، الله ينور عيونك هذه اللي النظارة معلقة أمامها ولا تستطيع رؤيتها ! ".
والحدث الثاني حدث في عيادة طبيب العيون ، فحين قاربت رخصة قيادتي على الإنتهاء ، إستخرجت الأوراق المطلوبة لتجديدها ، وكان علىّ أن أراجع المستشفي الحكومي لعمل فحص النظر ، وحين جاء دوري ودخلت غرفة الطبيب الذي كان أردنيا ، طلب مني الجلوس على كرسي ووقف هو بجوار اللوحة المضاءة المطبوع عليها حرف (السي) الإنجليزية بإحجام متفاوتة ، طلب مني وضع القصاصة على عيني اليسرى ففعلت ، ثم أشار بعصاته إلى أحد الأحرف طالبا مني تحديد إتجاه فتحة الحرف ، ظللت فترة أبحلق وأدقق فلم تسعفني رؤيتي على تحديد الفتحة ، فزحزحت الورقة قليلا حتى تساعد اليمنى اليسرى ، ثم نطقت : " الفتحة في اليمين " .
طلب مني الطبيب المجيئ ، وحين حضرت وجدت الفتحة المشار إليها في اليسار !
رجعت ثانية إلى مقعدي فأشار إلى أخرى ، فقلت : " يسار " .
فطلب مني الحضور لأجد أن الفتحة في اليمين !
ثم أشار إلى ثالثة فقلت : " فوق " ، ولما ذهبت وجدت الفتحة في الأسفل !
وهكذا تم مع العين الأخري ، فشل ذريع وأمر مريع !
في الحقيقة لقد إغتظت منه وكذلك من نفسي ، وقبل أن أتعصب عليه تذكرت نكتة سمعتها في شبابي جعلتني أسترح وأسترخي وتعود لي روح الدعابة ، النكتة تقول :
( رجل ضعيف النظر مثل حالي ذهب لقياس بصره ، سأله الطبيب : " أين فتحة الحرف ؟ " ،
فقال الرجل : " أى حرف ؟! " ، قال الطبيب : " الحرف الموجود على اللوحة ! " ، سأله الرجل مندهشا : " أى لوحة تقصد ؟ " ، قال الطبيب بزهق : " ياأخي اللوحة المثبتة على الحائط " ، فصاح الرجل مذعورا : " حائط ، وهل هناك حائط ؟! " ) .
عندها قلت لطبيبي ضاحكا : " يادكتور ، الجالس أمامك يقود سيارته منذ ثلاثين سنة لم يرتكب خلالها لا مخالفة ولا حادثا ، ومن خبرتي بالطريق ، أقول أن ما نراه إما عنزة أو بعير ، وإما ولدا أو إمرأة أو رجل أو سيارة ، فكيف بالله عليك تمتحنّي في علامات ضئيلة في ضئالة الحشرات ، أتتوقع منا مثلا رؤية نملة تعبر الطريق فنقف لها حتى تعبر ، والله ما يصير هذا ؟! ".
ضحك الطبيب من قلبه ثم قال مسرورا وهو يخط بقلمه : " حاضر ياسيدي ، سأنجحك في الكشف كرمال سكسوكتك البيضا ! ".
أما الحدث الثالث فقد تم في الشركة ، إذ حضر إلى يوما أحد الزملاء لعمل ما ، وكان هذا الزميل مثلي من أصحاب النظارات الطبية ، ولكن هذه المرة وجدته يرتدي نظارة سوداء شمسية أنيقة ، وحين جلس أمامي خلعها ووضعها فوق مكتبي ، أخذتها بيدي فوجدتها خفيفة جدا ، فسألته :
" أهذه شمسية وطبية معا ؟ " .
رد على مبتسما : " لا هذه شمسية فقط ، فما عدت أستعمل النظارة الطبية منذ أجريت عملية التشريط " .
سألته مندهشا : " وما عملية التشريط هذه ؟! " .
قال : " لقد علمت أن مستشفى سليمان فقيه تعاقدت مع برفيسور عيون لمدة محدودة ، وأن هذا الإستشاري يقوم بتصحيح النظر بتشريط قرنية العين ، ووجدت أن العملية لا تكلف غير مبلغ زهيد ، ووقتها نصف ساعة لا تزيد ، فعملتها وألقيت بالنظارة السخيفة وإلى الأبد ".
قلت من فوري : " ياحليله .. أنا من اليوم قتيله ! " .
"" لكن قبل أن أكمل .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" !
وذهبت إلى الطبيب المداوي ، ووجدت طابورا طويلا في الإنتظار ، لكني لم أيأس وأخذت موعدا بعد شهر ، ومر الشهر على أعصابي ، فالزمن طويل وصبري قليل ، لكن الأمل ويا محلى الأمل كان يصبرني ، أعلل النفس بالآمال أرقبها .. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل (المتنبي) !
وحين جاء موعدي ذهبت إليه طائرا على جناحىّ الأمل والتفاؤل ، وأخذ الطبيب يدخلني من آلة للآلة ، ويقلبني من حالة إلى حالة ، إلى أن إنتهى وقال بهدوء : " أنا آسف ، عينيك بها عيوبا كثيرة ، ولا تنفع حيالها عمليات التشريط ! ".
قلت بإلحاح ومازال الأمل يحدوني : " يادكتور حوّل بدّل ، حاول مرة أخرى ! ".
قال بجدية وصرامة : " لا يمكن صدقني ، نظرك لن ينصلح بعمليات التشريط ولا حتى بعمليات الليزر التي يجرونها في هذه الأيام ، خليك بالنظارة وأرح نفسك " .
خرجت من عيادة الطبيب وقد دهستني شاحنة اليأس ، وأطفأت جذوة أملي رياح القنوط ، فذهبت إلى بيتي أجرجر رجلي منكسا ، وقلت لنفسي المنهزمة : " لا تحزني يانفسي ، دعينا نظل مع هذه النظارة الكئيبة إلى مابقى لنا من زيت في سراج العمر ! ".
لكن زوجتي ـ الله يخليها ـ حين رأتني بهذا الحزن شجعتني قائلة : " لا تيأس إذهب إلى مستشفى المغربي وإسمع من أطباء الليزر ماذا يقولون " .
وفعلا توجهت إلى مستشفى المغربي للعيون القريبة منا في جدة ، ودخلت في دوامة فحوص مجهرية كثيرة إستغرقت أكثر من ساعتين ، بعدها قال الطبيب : " نعم يمكننا تصحيح بصرك ! ".
قلت بفرح شديد وبلهف : " أممكن فعلا أن يصحح نظري وأستغنى عن النظارة ؟! ".
قال ببساطة : " نعم ممكن ، فكل عين ستحتاج إلى عمليتين ، الأولى سترجع حدة البصر بنسبة 80% ثم بعد ستة شهور عملية أخرى تصل به إلى مائة في المائة ، أى أن كل عين ستستغرق
سنة ، يعني بعد عامين ستكون عندك عينين سليمتين ! ".
قلت : " والتكلفة يادكتور ؟ ".
قال : " التكاليف يحسبها قسم الحسابات ، لكن كتقديرا جزافيا ، لن تقل المصاريف عن عشرون ألفا من الريالات ".
بسرعة بديهة أحسد عليها سألته : " إذا كان هذا صحيحا يادكتور ، فلماذا لم تفعل أنت هذه العملية لنفسك وتلقي بالنظارة الطبية جانبا ؟ ".
قال الطبيب الطيب مبتسما : " بصراحة ، أنا لا أحب اللعب في عيني ! ".
نهضت واقفا وأخذت أهز يده بالسلام قائلا : " أشكرك من كل قلبي يادكتور على هذه النصيحة الغالية ! ".
ومرت السنون تكر بعضها كرا ، وأهملت معاناتي مع عويناتي ، وإنشغلت في أمور العيال والعمل والحياة ، إلى أن قربت أجازة الصيف للعام الفائت ، وكنت قد خططت أن أقضيها مع أسرتي في ماليزيا ، لكن حين جاء وقت الجد ، جمعت الأسرة لآخذ رأيهم النهائي ، فقد عودتهم على حياة ديموقراطية سليمة تحسدنا عليها الدول الديموقراطية العتيدة !
قالت إبنتي : " ولماذا ماليزيا ؟ : .
وقال أبنائي: " فلنذهب إلى بولندا ! ".
وقالت الأم : " لن أذهب إلا إلى دولة عربية ، سوريا أو لبنان أو مصر ! ".
نظرت إليهم جميعا فوجدتهم واجمين ، أى هم ينتظرون رأيي ، فإنحزت ـ ليس خوفا منها لكن إحتراما ـ إلى زوجتي قائلا : " خيرا ما قالته أمكم ، لكن سوريا ذهبنا إليها سابقا ولم نشعر فيها بالراحة ، ولبنان كما تعلمون مشاكلها كثيرة وخاصة بعد إغتيال الحريري ، فلنتوجه إذا إلى أم الدنيا مصر ! ".
وفي القاهرة سكننا في شقة بمدينة نصر في شارع مكرم عبيد ، وفي ليلة كنت أسير مع إبني الصغير (سيف) متوجهين إلى مكدونالد القريب لإحضار عشاء للأسرة ، فلفت نظرنا في الجهة المقابلة لشارع مصطفى النحاس عمارة عليها يافطة كبيرة مضاءة لمستشفى إسمها النور للعيون ، فقلت لإبني : " دعنا نذهب إلى هذه المستشفى لعمل كشف على عيوني ، لأني منذ عدة شهور أشكو من غلالة من الضباب أو الغبار تعوق رؤيتي ، لعلهم يعطوني قطرة تنظفها ، وذهبنا !
وفي الحقيقة أنا لا أحب التعامل طبيا مع الأطباء الصغيري السن ، لإقتناعي بقلة خبرتهم ، لكني سلمت أمري إلى الله لهذا الطبيب ذو اللحية الخفيفة والذي يبدو في الخامسة والثلاثين ، كان الطبيب ينتقل بخفة ومهارة من جهاز إلى آخر وهو يتفحص عيوني ، وبعد أن إنتهى أضاء نور الغرفة وقال : " أولا ياحاج (المصريون يطلقون هذا اللقب على القادمين من السعودية) القرنية عندك سليمة ولله الحمد ، لكن عندك مياه بيضاء (كاتراكت) كثيرة متكثفة على عدسة عينك ، وهى التي تغبش رؤيتك للأشياء ! ".
قلت متعلقا بأهداب الأمل : " والحل ؟ ".
قال : " الحل إزالة هذه المياه ، وهى عملية بسيطة بالليزر لا تأخذ سوى دقائق معدودة ، ثم أضاف ، وعينك اليمنى بها إستجماتيزم (إنحراف) أربع درجات ، ويمكن أيضا تصحيحه بالليزر ، ثم .. لماذا هذه النظارة السميكة التي تشوه منظرك وتلهب عظمة أنفك من ثقلها ، لو أردت لزرعت لك عدسات أبدية داخل العين تريحك منها ؟ ".
في الحقيقة قوله هذا لقى صدى طيبا في نفسي ، وأعاد إحياء أملي وبعث في داخلي إشراقا كان قد خبى لحلم قديم مضى وإنقضى ، فأسرعت بسؤاله : " هل ما تقول يادكتور أكيد ومضمون ، أم أن له آثارا جانبية قد تؤثر مستقبلا على رؤيتي ؟! ".
قال الطبيب واثقا : " ياحاج ، العمليات هذه أصبحت بسيطة جدا مثل شرب كوب الماء ، وأنا
ـ ولله الحمد ـ أجريت آلافا منها سواء في لندن حيث درست وعملت ، وأيضا هنا ، دون أى نسبة ولو ضئيلة من الفشل ! ".
رجعت ثانية إلى غيّي القديم وسألته : " وكم ستكلف العملية يادكتور ؟ ".
قال : " ستكلف سبعة آلاف جنيه للعينين ".
قلت : " والوقت ؟ ".
قال : " حوالىّ خمس دقائق ! ".
قلت غير مصدقا : " خمس دقائق للعينين ؟! ".
قال واثقا ولكن بدون غرور : " نعم " .
وإتفقنا ، ورغم إعتراض أسرتي وخوفهم علىّ وعلى عيوني ، إلا أنهم رافقوني بعد يومين ، وخرجت من غرفة العمليات بعد ست دقائق ، وصحبتني أسرتي إلى سكننا !
وفي صباح ثاني يوم ، إلتفت الأسرة حولي قبل أن أنزع الضمادات ، كان الجميع يدعو وهم في ترقب مشوب بالقلق والهلع ، وكنت أنا الآخر أشد منهم قلقا وهلعا ، لكني لم أظهر لهم هذا بصفتي كبيرهم ومفروض أني أشجعهم ، لهذا تقمصت شجاعة طارئة تشبه شجاعة إبن الوليد عندما كان يجوس بفرسه في عمق جند الروم في موقعة اليرموك ، وقلت بسم الله ، الله واكبر وأخذت أنزع الضمادات !
ولما فتحت عيناى فوجئت بأن أنوار الغرفة ساطعة أكثر من اللازم ، فجفلت ووضعت يدي فوق عيناى وأنا أقول : " ماكل هذه الأنوار الباهرة أطفئوا بعضا منها لو سمحتم ؟! ".
لكنهم قالوا : " إنها لمبة واحدة مضاءة بالسقف ، فإن أطفأناها أظلمت الغرفة ! ".
فبدأت أفتح عيني مرة أخرى بالتدريج ، ياسبحان الله ، أكان كل هذا النور موجودا ومحجوبا عني ، بالطبع كان موجودا لكني لم أكن أراه !
في ظل هذا النور الذي كنت لا أراه ، أصبحت أرى أدق الأشياء التي كنت محروما منها ، صرت لا أتخبط في الأشياء ، وصرت أقرأ اللوحات البعيدة المعلقة فوق المباني ، وصرت أرى الطريق واضحا أثناء قيادتي ، لدرجة أني لو رأيت الآن نملة تعبر الطريق لتوقفت لها إحتراما وإجلالا حتى تعبر الطريق آمنة ، فلقد أشرقت الأرض بنور ربها ! ...
القصة إنتهت ، والآن "" .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" ، آه معذرة ، نسيت أن أذكر لكم حكاية منديلي !
أنا في الحقيقة كاتب غريب أوغير طبيعي أو معلول ، فحين أجلس للكتابة إليكم تنتابني حالة مرضية غريبة ، إذ يرتفع ضغط دمي وترتعش أطرافي وتنتابني حمى ، وأشد ما يتأثر عندي هو رأسي ، فأجدها تغلي وتفور وترتفع درجة حرارتها وتصير مثل رأس الموقد ، وقد شطح بي تفكيري وأوهمني أن رأسي ، ماهى إلا رأسا نووية ، ولهذا إن لم أبادر بوضع منديلا مبللا عليها لتبريدها ، وغمره بالماء من آن لآخر ، فإنها سوف تنفجر وتقضي على الأخضر واليابس ، وعليه وحفاظا على سلامتكم أترك الكتابة مرات كثيرة لأذهب إلى الصنبور لأبلله ، لهذا لزم التنويه ورجوت معذرتكم ، وتصبحون على خير!
ـ جدة ، يناير 2007
.
.
.
جدا رائعة القصة
و الشيء الذي برعت به هو جذب الانتباه و شد الالباب
إلى النهاية التي ستحملها القصة
و الجميل انها اتخذت مساراً جميلا مرضيا
اثلجت صدري بها حقا
أتمنى لك التوفيق
Post a Comment
<< Home