أبو الدكتور
أبو الدكتور
لم يكن من الضروري أن تنظر إلى بطاقته أو تسأله عن عمره، فلقد كانت الأخاديد المحفورة على يديه ظاهرها و باطنها، لا تكفيها مجلدات لتقص فيها حكاية زمن خبأه بين ثنيات ملابسه و طواها بين أصابعه تماماً كشتلات الأيام المزروعة في أرضه.
كان لهذا اليوم طعم خاص ضمن جعبة أيام أبي عارف. كيف لا؟ و اليوم سيصبح ولده عارف طبيباً، و سيصبح هو (أبو الدكتور). كررها مرات عدة، تلك العبارة التي كان يتلذذ بتردادها و سماعها " أبو الدكتور".
انتصبت قامة الأيام بمساعدة عكاز كان قد حضّره خصيصاً لهذه المناسبة. استدار نحو المرلآة القديمة التي كانت الشاهد الأول على جمال ضفائر أم عارف الطويلة. اقترب قليلاً منها، أسند عكازه، اعتنى بياقة قميصه و تمتم في سره "رعاها الله ابنتي زينب لقد غسلته و كوته فأصبح على خير ما يرام". مكّن عصاه بقبضة يده واستدار مجدداً إلى الكرسي الخشبي و جلسة جلسة القائد المنتصر.
نادى حفيده و سأله عن الساعة، إنها السابعة صباحاً. كان الوقت مبكراً جداً على مناقشة رسالة تخرج ابنه الطبيب. لقد كان قد طلب منه أن يم ليأخذه إلى المكان الذي سيتحدث فيه عن أطروحته و سيهنئه بالتالي جميع الناس. "لا بأس" قال أبو عارف: "يجب أن نستغل الوقت، فربما حصل شيء ما فجأة. موعد المناقشة الساعة الثانية عشر ... سيمر الوقت بطيئاً." لذلك اتجه أبو عارف متكئاً على عكازه إلى صندوق قديم كان قد وضع فيه ذكريات أيامه و سنين عمره الذي انقضى و تشكّل من جديد في ولديه عارف و زينب.
حمل رزمة كبيرة بين يديه و فكّها بكل محبة و كأنه يحل قماط وليدٍ جديد. كانت الرزمة تحوي على قطع قماش، صور قديمة و أوراق صفراء قرأت عليها أزمان و دهور. قلّبها بكل الفرح، فتلك لعارف و هذه لزينب.. لقد ربطت شعرها بها عندما أخذت الشهادة الإعدادية. أما تلك، آه من تلك إنها قطعة من فستان زفاف أم عارف. آه من الأيام يا أم الأولاد، ها قد أصبح وحيدك طبيباً تماماً كما كنا نتمنى. ألم تقولي لي يوماً عندما طلبت منه المساعدة في الأرض " خاف الله يارجل، كيف سيقابل أصدقائه و على يديه علائم تدل على العمل في الأرض.." و لكن اليد العاملة مباركة يا أم عارف.. على كل حال هاهو سيصبح طبيباً و سيعمل بمجال اختصاصه، سيعمل المهم بأنه سيعمل.
أعاد الرزمة إلى وضعها الطبيعي الذي لا يجرؤ أحد على تغييره، و خبأ أيامه و آماله في ذلك الصندوق. عاود الوقوف من جديد و تمشى إلى طرف البيت حيث تظهر الأرض بسلاسلها المتقنة و أشجارها التي كانت تنظر بكل فخر و اعتزاز و كأن لسان حالها يقول: الآن سنجني ثمار تعبنا يا أبا عارف، الآن ستكافئك الأيام.. زرعت و حصدت و كل ما جنيته كان يبني عارفاً على مقاعد الدراسة. تقدم بخطواته قليلاً بين الأشجار و خاطبها: سأصبح أبو الدكتور.
رفع رأسه و تطلع بكل فخر إلى ذرا الأشجار. فجأة استدار برأسه إلى المنزل عندما لمح قرص الشمس و قد توسط كبد السماء.
نادى حفيده و سأله عن الساعة. إنها العاشرة لا بدَّ و أن عارفاً سيأتي الآن ليصحبني بسيارته. و تذكر السيارة، لقد كان قد اشتراها له عندما نجح في سنته الدراسية الثالثة. "لقد كنت قد خبأت محصول أعوام طويلة لأحقق حلمه باقتناء سيارة. طبعا" .. دكتور بدو سيارة، ماذا سيقول عنّا الناس نبخل على ابننا- وحيدنا..."
عاد إلى المنزل، و على عتبته حيث كانت شجيرات الورد تتشابك بحب و ألفة، لاحظ بأن حذائه قد اتسخ من جراء خوضه في الأرض يحاكي الشجر و الزرع. استدار يمنة، و على بُعد خطوات و ضمن كومة من قطع القماش البالية. اختار واحدة، مسح عن حذائه بها الطين و التراب. ثم انتصب مجدّداً و تطلع إلى حذائه من جديد. "إنه نظيف الآن و مستعد لملاقاة أهل المدن".
في تلك اللحظة سمع هدير محرك سيارة ابنه، لقد كانت أعذب من ألحان الطيور المغردة على خط شروق الشمس. صمت المحرك فتحرك أبو عارف على عصاه التي ذكرته فجأة بأنه تجاوز الثمانين. اتجه بابتسامة عريضة نحو الباب ليلاقي ابنه قبل أن يكلفه عناء الدخول إلى المنزل و صعود الدرجات لمناداته. سيقول لأصدقائه المتحلقين حوله: "هذا هو أبي، و لهاتين اليدين أهدي نجاحي.."
دخل عارف من الباب على عجل، وجد أبيه بانتظاره فعاجله بالسؤال: "ما بك يا أبي؟ لما تقف هكذا.. كيف تركت الأرض..؟" أجابه أبو عارف بكل فرح: "إني مستعد للذهاب معك يا دكتور.". غاب صوت عارف الذي دخل المنزل و خرج بعد لحظات و بيديه أوراق "ماذا.. تأتي معي!" ونظر إلى أبيه متفحصاً إياه. ماراً بنظره على حذائه القديم النظيف، و شرواله الذي تركت الشمس آثارها عليه و تفحص القميص المنشى و العقال الذي لفّ بكل شموخ جبهة الفلاح الذي أنجب طبيباً".
"لا..لا.. يا أبو عارف، انتظرني في المنزل سأعود إليك. ليس من المعقول أن ترافقني إلى الجامعة و أنت هكذا! ماذا سأقول لزملائي و أساتذتي؟ هذا أبي....!"

0 Comments:
Post a Comment
<< Home