Friday, September 02, 2005

رسالة الى الأب ميشال الحايك

رسالة الى الأب ميشال الحايك أيها العابر الى بطريركية السماء
كنتُ أفضّل أن أمدحكَ لا أن أرثيك. فمثْلكَ يُمدَح لا يُرثى. وهذا يليق بكَ يا مسيح الشعر وحتى في الممات. مثْلكَ يُنتظَر أيها الروح المشرقي في غبطة العلوّ وليس في محنة الأرض. ومثْلكَ يُرفَع ليجلس على السدّة وليس ليوارَى. ومثْلكَ يصافَح على الدوام كشجرة سرو، ولا يُنحنى عليه بعد اتكاء. ومثْلكَ يوضع على رأسه تاجٌ ومثلكَ يوضع في يده صولجان ومثْلكَ ليس ليكون الى غياب.
كنتُ أفضّل يا كاتب المسيح في الإسلام، ويا أخي، أن أقبّل رأسكَ متطلعاً الى جلوسكَ العالي بيننا لا أن أهرع الى لقائكَ محمولاً على الأكفّ في جمع كئيب. وكنتُ أفضّل يا صفيّ المسيح في القدس وفي أنحاء لبنان، ويا صفيّه في كل المكان وفي كل الزمان، أن أراكَ في القصائد لا في دموعها. وكنتُ أفضّل أن لا أصل إليكَ على أن أصل وأنتَ على ذهاب. وكنتُ أفضّل أن أظلّ أسمع صوتكَ في هذه البرية على أن أنصت الى عطور الصوت الباقيات. وكنتُ أفضّل أن أراكَ كتلك الخمرة التي في تلك الكأس وعلى غرار بخور ذاك الضوء الذي على ذاك الجبين. وكنتُ أفضّل أن أعثر عليكَ في الكنيسة المزدهية برهبة الفلسفة وسُرُج الكتب لا أن أعثر عليكَ في اللجوء المنزوي بين حنايا التأوهات.
لكني يا شاعري لا أرثيكَ ولا أبكي. ولستُ لأتدارك ظلمةًً عظيمةً انحدرت الى عينيكَ. ولستُ لأتداركَ ظلماً فادحاً حللتَ فيه حين لم تُعطَ على هذه البسيطة الأرض ما كان لكَ أن تُعطاه. ها جسدكَ العطوب آيلٌ الى حيث يُكتَب للطين من مصيرولا محالة. وكجميع الخليقة أنتَ ذاهبٌ الى الموضع نفسه من المصير. لكن روح الله أراه الآن وقد آل الى عسلٍ يسمّونه موسيقى لتعزف لكَ طريق العبور، حيث لروحكَ أن ترفرف على السدة. فمثْلكَ ليس بالرثاء يُصلّى عليه وإنما بمنحة الاستلقاء في المطلق، وهو هجسكَ الهائل منذ البدء. ومثْلكَ هو هكذا، الرائي الذي يرى بالوجد أكثر منه بالعين، وبالرؤيا أكثر منه بالحس، حين عرفتَ بفلسفة العقل والفؤاد أن تظل الحيّ البهيّ، وأن تتجاوز عطب الموت الضئيل بالصنيع الخلاّق الذي يهزأ بكل عطب وموت.
لا أمدحكَ يا الحبيب لأنكَ الكاهن الذي كنتَ كاهناً الى الأبد. ولا أمدحكَ لأنكَ الفيلسوف الذي تهادى في وادي الدموع ليجمع الحصاد. ولا أمدحكَ لأنكَ كنتَ تصلّي وحيداً في جبل زيتون. فلغيري أن يقف مؤبّناً وواعظاً. ولغيري أن يعيد إليكَ حقوقاً لم تنلها. وإنما أفعل ما أنا أفعل لأنكَ أقمتَ المملكة الذكية تحت سماء الحب وهي سماء الشعر، وقد جعلتكَ صالحاً لكل الزمان ولكل المكان. وجعلتكَ صالحاً لما يأتي في البَعد وإن كنتُ دون معنى المآل.
أسألكَ أيها البستان الممتد من عشبة الله الى عشبة الأشعار أن تغفر للأرض
الضيقة كيف لم تتسع لكَ الأرض. وأسألكَ أيها اليقظ الساهر أن تغفر لليل إذا لم يتسع لكَ الليل. وأسألكَ يا القصيدة الألطف من غيوم الرشد ومن فجر الخيال أن تعطي لهذا الكلام الضئيل موهبة أن يسع الكلمة الذي فيك. وأسألكَ أيها التائه العارف، أسألكَ يا شريد العقل وميناء الحدس ووجع الرؤيا، أسألكَ أن تظل معنا، من حيث أنتَ، وأنتَ في كل المكان وفي كل الزمان، أسألكَ أن تظل معنا على أرض هذا العذاب الذي يُدعى لبنان. وأن تظل معنا لترشد العذاب الى ميناء الأمان.
وعلى رأسكَ أضع جميع يديَّ، أنا الملتئم معكَ ولستَ الملتئم أمامي، فانظرنا بجميع عذابكَ المؤمن وبجميع عينيك الرائيتين، وأصخ إلينا بالذهول الذي يسمع ويهدي. أنتَ يا شغفَ القلق المسافر من مملكة جبيل الى مملكة روما. وأنتَ يا الأكثر من حبة حنطة لتتسع لكَ السهول والحنطة. وأنتَ يا الأكثر من شتاء الزرع ليتسع لكَ الحصاد والصيف. وأنتَ يا الأكثر من الربيع ليتسع لكَ الربيع. وأنتَ يا الأكثر من هذه الفانية الحياة لتتسع لكَ تلك الحياة. وأنتَ يا الأكثر من هذا الموت ليتسع لكَ الموت الذي ليس الى فناء.
وسلامٌ عليكَ يا كاهن الكلمة، يا كليمَ المسامير فوق الجلجلة، ويا مسهِّر الصليب في جبل الزيتون وفي الأخضر الهواء. وسلامٌ عليكَ يا شجرةَ سروٍ تتكلم في صمت الصحراء. وسلامٌ لكَ وسلامٌ عليكَ، يا شجرةَ ضوء في ظلمة الكنيسة، ويا عذاب المسيح على خشبة الغد. وسلامٌ لكَ مني. وسلامٌ عليكَ أيها العابر من بطريركية الأرض الى بطريركية السماء. واهنأ حيث أنتَ، وأسأل من هناك عن جبل زيتوننا، فمسيحكَ الشعري، وهو الكلمة والكليم، قد أعدّ لكَ المملكة. وهي حدودها تعبر الى ما بعد السماء!
(يحتفل بالصلاة عن نفس الفقيد الكبير الثالثة بعد ظهر اليوم الجمعة في كاتدرائية القديس جاورجيوس المارونية في الوسط التجاري).
بقلم عقل العويط

0 Comments:

Post a Comment

<< Home