Wednesday, August 31, 2005

ـ ألوه...أنا........وفاء

وفاء


أنهت (وفاء) زيارتها الاسبوعية المعتادة لقبر زوجها..بعدما كررت طقوسها: باقة من سعف النخيل بجوار شاهد القبر..صفيحتا ماءٍ يسكب إحداهما صبيُُ صغيرُُ في حوض الصبار القائم علي رأس المقبرة..ويرش ما بالأخرى حولها...وآيات من سورة الرحمن التي كان زوجها الراحل يحب سماعها...يتلوها شيخ ضرير.
لم يدم زواجهما إلا بضع سنوات..تركها بعدها وحيدة..لا جليس معها إلا ذكراه..ووصية بزيارة قبره كل يوم خميس..وصورة شخصية متشحة بالسواد معلقة في حجرة نومها....
في طريق عودتها لمنزلها لاحظت أنها تستقل سيارة الأجرة ذاتها التي استقلتها أكثر من مرة من قبل..وفي المرآة الداخلية للسيارة رأت وجها مألوفا.
ـ تعيشي وتفتكري يا هانم
هانم ؟!... كلمة لم تسمعها منذ زمن... فقد كان زوجها الراحل كثيرا ما يناديها بها
من بين دمعات تحدّرت علي خدٍ حزينٍ..أجابت بآهة عميقة....سألته:
ـ أري أنك تواظب علي زيارة المقابر كل خميس!!
رحمها الله.. أجاب (مخلص)..... أوصتني زوجتي الراحلة ـ وهي في ساعتها الأخيرة ـ أن أزور قبرها كل خميس
كادت أن تقول له أن زوجها الراحل أوصاها بذلك أيضا ولكنها غيّرت مجري الحديث:
ـ أرى أنك كنت تحبها كثيراً
ـ ولا زلت.. ترك فراقها في قلبي جرحا غائراً لم تمحه السنون...وماذا عنك...أردف متنهداً
ـ مثلك تماما أزور قبره كل أسبوع بناءٍا علي وصيته...أجلس بجواره..أسترجع ذكريات أيامٍ رحلت
والعربة تقترب من منزلها..قال:
ـ لو تسمحين هذا رقم هاتفي..إذا أردت أية خدمة..أنا رهن إشارتك.
.................
خيمت سحب صمتٍ قاتمة تحت سقف حجرة نومها... أمطرت أحزانا....والصورة المتشحة بالسواد تنظر إليها في قلق .. تسألها: أين كنتِ؟؟
ألقت بملابسها السوداء فوق أريكتها الحزينة ..تفرست في ملامح وجه صاحب الصورة....وانخرطت في نوبة من النحيب.
...............
ـ إلي متي الحزن..سألها (مخلص) وهو يعود بها من زيارة معتادة إلي المقابر..لم تمكث خلالها ذلك الوقت الذي اعتادت أن تقضيه من قبل .
ـ إلي أن يشاء الله...احتراما لذكراه...وأنت؟؟؟؟
ـ الحي أبقي من الميت
ـ أتفكر في الزواج مرة أخرى
ـ ولم لا...هذا حقي..وأنت ألا تفكرين في مثل ذلك؟؟
ـ لم تطرأ الفكرة علي رأسي من قبل...........
ـ من حقك أن تتزوجين...فالإنسان [خلق ضعيفاً]
ـ لقد عاهدته..ووعدته..ووعد الحر دين عليه
ـ ربما ستكون هذه هي المرة الأخيرة التي أوصلك فيها..سأنتقل الي مدينة أخري
...............
قبل ملابسها.. ألقت بنفسها هذه المرة فوق الأريكة.. أحست بأن حجرة نومها أصبحت حفرة قبر.. نظرت الي الصورة المتشحة بالسواد...تمنت ألا تسألها أين كنتِ؟...(وخلق الانسان ضعيفاً) ترددت أصداؤها في جنبات وجدانها..بدأت هادئة ثم أخذت في الكبر والتضخم شيئاً فشيئاً حتى خيل إليها أن كلماتها ستخرج من أذنيها ..أمسكت برأسها بشدة خشية الانفجار..نظرت الي الصورة..ولأول مرة لم تتبين ملامح وجه صاحبها.
..............
اقتربت الساعة
..التى تأتي فيها سيارة (مخلص)...لكنها لم تسمع نفيرها..فتحت نافذتها علي غير المعتاد..فغمر حجرة النوم ضياءُُ حرمت منه منذ بضع سنوات..نظرت الي مكان وقوف السيارة...كان خاليأ..أحست بشعور غريب لم تشعر به من قبل...تردد في سمعها مراراً وتكرارا صوت (مخلص) وهو يقول: [الحي أبقي من الميت]... علي عجلٍ ألقت نظرة اعتذار علي وجه صاحب الصورة المتشحة بالسواد وفوق الأريكة تكومت بلا نظام....ملابس حداد سوداء.أمسكت بهاتفها النقال ...طلبت رقما:
ـ ألوه...أنا........وفاء

0 Comments:

Post a Comment

<< Home