أجراس
أجراس
الجرس الأول :
رجل سبعينيّ . ضابط متقاعد . صدري يزهو بألف وسام ، وقلبي ينوء بألف جرح . تقاذفتني الأقدار ، وألقت بي من أعلى مدارك الشباب والقوة ، إلى أسفل منازل الشيخوخة والعجز .أتنفّس الضجر مع أول شهقات النهار ، وأنفث القلق مع آخر زفرات الليل . وحيداً أعيش ؛ مع ذكريات مضت ، أستحضرها في ساعات ترحي وفرحي ، أضحك منها وعليها ، وأبكي منها وعليها .فيها أعيش نهاراتي الطويلة المملة ، ومنها يستعيرني الموت الأصغر في نهايات لياليّ الطويلة الطويلة الموحشة.
رجل سبعيني. عاصرت أناساً كثراً ؛ رافقتهم من مهودهم إلى لحودهم ؛ أطفالاً ونساءً ورجالاً ... كثيرون هم . تركوا لي حلاوة الذكرى ، ومرارة الفراق.
رجل سبعيني . لم أتزوج . فاتني القطار ! أو ربما - بصراحة أكبر - لم أجد من تبادلني روحها وعاطفتها بالرّباط المقدس . أنا لم أستهو النساء قطّ . ربما لفظاظة طبعي ، أو لقساوة ملامحي . قضيت العمر وحيداً ، وها أنا أهوي ... أموت وحيداً!
الجرس الثاني:
صوت غريب ! طنين قوي يصدّع رأسي في وقت قيلولتي منذ أيام . صوت جرس الباب ، لا شكّ . طنينه مزعج ، يزيد من أرقي . عندما أفتح الباب ، أجد العتبة خالية ، ولا أستشعر وجود أي مخلوق. ربما يكون وهماً ما أسمعه ... تخاريف رجل سبعيني . ليس لهذا المساء طعم . الوحدة تولّد الأوهام والكوابيس . ربما يكون للغد طعم آخر.
الجرس الثالث:
الصوت مؤكد . أحدهم يرنّ الجرس ؛ يوقظ سكينتي .. يزلزلها . من ؟ لست أدري ! لم أعد أهتمّ بأي حال . فلتُقرع كل الأجراس . أنا لن أسمعها . أنا لا أسمعها . آه .. أنا أسمعها!
الجرس الرابع:
اكتشفت قارعة الجرس . فتاة صغيرة لا تتعدى الخامسة . وجهها ملائكي . في عينيها زرقة وصفاء ، وفي وجهها بياض ونور . حلوة هذه الصغيرة . لم تتكلم . تبسّمت . في ابتسامتها الحياة كلّها ، بحلوها ومرّها . الآن فقط أودّ لو أستغني عن كل نياشيني وشاراتي العسكريّة من أجل نظرة ضاحكة من عينين جميلتين كهاتين. لم أعبس . للمرة الأولى لا أعبس في وجه طفل . نظرت إليها بحنوّ . رنت إليّ بدهشة طفولية مفرحة . من أنتِ يا صغيرتي ؟ أين "الماما" ؟ لا تبدو عليها إشارات الفقر أو العوز . هي حافية القدمين ، لكنّ ملابسها أنيقة . لا تتكلّم. تكتفي بالابتسام فقط ، ثم تقفز بخطواتها السريعة المبهجة على عتبات الدرج صعوداً.
الجرس الخامس:
أنتظر زائرتي كل يوم . اعتدت على سماع صوت الجرس . لم تعد قيلولتي تعني لي شيئاً . أنتظر إطلالتها كل ظهيرة . أتأمل وجهها الوضّاء . أبتسم لابتسامتها ، ومن مَعين هذه الابتسامة ، أقتنص سعادة نهاري كله.
الجرس السادس:
عرفت من هي الصغيرة ! سألت عنها ناطور البناية . آلمني ما عرفت عنها . الصغيرة المسكينة خرساء ! لا تتكلّم بلغة اللسان ، ولكنّها تحسن لغة الصمت ، وما أبلغها لغةً! تقطن فوق شقتي منذ سنتين ، مع أب وأمّ لم يرزقا بسواها .لمَ لمْ أرها قبل ذلك؟!!
الجرس السابع:
بين إغفاءة الليل وإشراقة الصبح يولد النهار . يولد كئيباً حزيناً ، خالياً من أي معنى . الحلوة الصغيرة لم تعد تقرع جرسي . في الظهيرة أصيخ السمع . أصوات تنبعث من كل جهة : دقات الساعة ، زعيق السيارات ، وضجيج الناس . أسمع كل شيء إلا قرع الجرس . هل أصاب حوريتي الصغيرة مكروه ؟ أقلق ، ومع التهاب أنفاسي ، ودقّات قلبي الموهن يولد الفزع . لأول مرة أخاف . أجل ، أخاف. برغم أطنان الأوسمة التي تنوء بها خزانتي أخاف . أخاف.
الجرسي الثامن:
أخيراً حظيت برؤية حوريتي الصغيرة من جديد. كانت مع والديها ، يترجّلون من سيارة أجرة . تنظر إليّ ، وأنظر إليها . تكلّمني بلغة الابتسام . أتقدّم منها قليلاً ، ثُمّ أتراجع . بيدها تحمل فلّة حمراء بلون وجنتيها . تقرص ذراع والدها ، وتومئ إليه. الأب يحييني من بعيد ، والأم كذلك . أتقدّم نحوهما . أحييهما ، وأبتسم . لأول مرة أحيّي أحداً بمثل هذه البشاشة ، ولأول مرة كذلك أحسّ أنني أشبه البشر ! والدها شدّ على يدي ، وهمس في أذني : أنت تشبه جدّها كثيراً ، ولارا كانت مولعة به . كانت تريد أن تراك عن قرب . لارا تريد أن تهديك فلّتها الحمراء قبل أن ترحل. ترحل؟! إلى بلد آخر ، قد تجد فيه رفقاء لها ، أناساً يشبهونها . يجيدون لغة الصمت ، ولغة الابتسام. تمدّ يدها الصغيرة نحوي ، وتعطيني فلّتها الحمراء . أحملها بين ذراعيّ . أضمّها إلى صدري ، وأقبّلها . لأول مرة أقبّل طفلاً ، ولأوّل مرة تطمس دموعي الساخنة ، معالم وجهي الباردة.
الجرس الأخير:
لارا رحلت . من يقرع جرسي بعد اليوم؟!

0 Comments:
Post a Comment
<< Home