العقرب
العقرب
كان العقد في يدها تقرأه و لا تقرأه، نظرتْ لوجه ابنها، بدا صغيراً جداً مثل يوم ولدته، أعادت نظراتها إلى العقد الممدد على راحتها، لاشيء سوى رقعة بيضاء متسخة بأحرف سود ضئيلة، استحثها الكاتب على الإمضاء، رمقته بنظرة سريعة، أعادتها إلى الجالس قربه، غريب بعيد جداً، أقشعر جلدها وبردت أطرافها، رمت العقد على الطاولة جسداً ميتاً بارداً، واندفعت نحو غرفتها، أغلقت الباب وأجهشت بالبكاء.
طأطأ الشاب رأسه، حاول الاعتذار لكن الرجل غادر الغرفة مسرعاً يتبعه الكاتب متأففاً،همس الشاب لنفسه:
• لكنها أبداً لن تعود إليه.
غاص في مقعده.. وفكر: ما زالت تعشق والده..مازالت تحلم بالعودة إليه صورة من الماضي تعيشها كل يوم.
وراء الباب كانت تبكي دموعاً شتوية عاصفة، زوابع تدور داخلها تشدها إلى العمق السحيق إلى أغوار تطفو في عينيها بحيرات حمر من دم أهدر على الزمن.صفحات كتب وأحلام شباب تزيّن سطور متدارسة، كلمات تزهر وتتشكل، ضمة ففتحة فانكسار والسكون الأحلى بين يديه، اللغة جمع سالم لكلمة واحدة، حب الروح للروح وأمل غايته سعادة ظناها مشروعة لكنها بدت ملعونة لعائلتيهما، كلا العائلتين أعلنتا حرباً على الحلم الغض، اختلفتا على اللقاء واتفقتا على وحدة الغاية، فراق الحبيبين، حُكم على حبهما بالموت اختناقاً في الصدور الصادقة، بريء يتشبث بأنفاسهما ويظنها حق له يتخبط ويتمرد ويدفع بيديه أسوار سجنه وينطلق قوياً فتياً يفر بهما لبلد يرضى إعلانه صارخاً لا يقبل الموت المفروض قسراً.
يومها كان العقد ذهبياً حقاً موشاً بتوقيعهما لا ورقة بيضاء شاحبة، عقد يحتويانه ولا يحتويهما، فصدقهما كان أكبر منه وأقوى، سجلاه بأصابع راقصة متعانقة لا مرتجفة باكية هما أعطياه شرعيته وما أضاف لشرعيتهما جديداً.. يومها رفع الورقة ضاحكاً وقال:
*هذه الورقة على تفاهتها ستجعلهم يرضخون لإرادتنا، سلاح لا قيمة له لا يعنينا لكنه يعني لهم الكثير، إعلان حبنا الشرعي سواء وجد العقد أم لم يوجد، برهان فقط أن أحدنا يمتلك سعادة الآخر مشاعره وعمره.
عادا بعد أن ظنا أنهما امتلكا ما لم يجرؤ الأهل على تحديه أو نكرانه إذ أعلن الحب عقداً بعد أن كان ضمناً، سكتت الأصوات الصارخة لكن حبائل المكر لم تُرخَ وضمائر الغدر لم تهدئ، المكائد تحاك حولهما وتمارس أنواع الضغوط من نبذٍ ومقاطعة وشحٍ. يتخبطان معاً، أفق العمل لم يفتح بعد وطور الدراسة طويل. القادم الصغير يحتاج الكثير والواقع يزداد قسوة، أضناهما التنقل بين البيوت السياحية والغرف الساكنة خارج طوق الجاذبية، تسبح بهما في فضاء منعزل يحنو على التحامهما، لكنها تحتاج وقوداً يعجزهما شراؤه، والأمعاء الخاوية تطلب غير الغزل والمناغاة قوتاً يسمن جنيناً يريدانه قوياً.قال لها:
• سنناور ، عودتك لعائلتك شهوراً ستكفل لثمرة حبنا ولادة سليمة، وعودتي ستضمن إعالة لعائلتنا، قليل من الصبر نعود لنكون معاً من جديد بعد حين.
افترقا على أمل العودة سريعاً، لكن المناورة فشلت وتم الطلاق تحت وطء ضغوط ووعود بمساعدات كبيرة، ظنا الأمر مراوغة أخرى فاستسلما أم تراهما أفرغا شحنة حب فلانا، أم هي مرارة الحياة غلبت عذوبة لقائهما؟
بين يديها صغير يحمل قسماته وبين يديه فراغ يحيط عالمه، درعها كان قوياً تحتمي بحاجته إليها، وصدره عارٍ يواجه رغبات أهله .. وذاته، خضع لقانون طبيعته وما خضعت إلا لقانون قلبها.. الحب والجسد لا يتجزأان لكنهما منفصلان في منطقه. تزوج وأنجب ، عاش الحاضر وسكنت الماضي ارتضت قحلاً ظاهراً وباطناً وقبل عيشاً بادياً رضياً قاحلاً في الحقيقة.
الصور تتردد في ذاكرتها والشاب الصغير يتردد في اقتحام عالمها، يعلم أنها حزينة منكسرة،فيحاول كعادته جذبها إلى مشاعر أمومة يعرفها طاغية لديها، أغرق رأسه في حجرها وأختار كلماته بدقة:
• تحتاجين رجلاً يحميك ويساعدك، قد أرحل مسافراً عما قريب وراء حلمي، وذاك الراغب بك فيه من الصفات ما يجعلني مطمئناً عليك، فلم ترفضين؟
مسح دموعها ، تمنى كسر جدار صمتها، منذ سنوات لم تكن يده تطال دموعها، حين أجاز الشرع لوالده ضمه إليه فرحل به بعيداً عنها إلى بلد يعمل فيه، يومها نسي اصطحاب صورة لها فأنساه ألم الاشتياق ملامحها، أراد نسيان حنانها كي ينسى قسوة زوج أبيه، فنسي فعلاً وتحولت ملامحه الطفولية البريئة إلى ملامح شاب صغير قاسية وجادة، تمنى أن يبقى بلا ذاكرة تشعره مرارة فراقها سنون خمس لم يذكر فيها اسمها مرة فكاد ينسى.
عاد بعد السنين الخمس وفي بيت جده لأبيه جاءته زائره، نظر في وجهها الحزين، ابتسم شيء في داخله، حنو لم يدر له سبباً،لمن بدت له غريبة، سألته:ألا تعرفني ؟ وبكت انهزاماً أمام سرقة تمت بنجاح، يقسم أنه لم يذكرها، أي لحظة تلك، أن ينبش من الأعماق صورة لأم غادرها طفلاً والتقاها اليوم شاباً، أي لحظة تلك تمنحك لقاءً مع رحم كنت منه ولم تعد، أي انتماء تشعره دون أن تعيه، صور متدافعة، أخيلة قديمة، حنان له مذاق مختلف ولون مختلف، عانق فيها ماضيه وبراءته، طفولته المنسية، قسماته الطرية، أي انهيار بين ذراعيها واتحاد لدموع وضحكات وهذيان عن ذكريات عادت فجأة تنبض بقوة وتتدفق بسخاء.
وبعد أن عاش كل ذاك العذاب بسببه أيتركها تعود إليه؟ عاودته قسوة ملامحه قال بحزم:
• لن تعودي إليه، قد قسا فيما مضى كلانا كان ضحية ضعفه تجاه عائلته وقسوته علينا يوم تخلى ومضى ويوم ضمني لبيته وماكان يجب أن يفعل، ردت:
• مازال يريدني كما أريده، لم يصبح يوماً غريباً، كتابنا ما كان على ورقة،
كتم غضبه، أوشك أن يصرخ تمالك نفسه وأجاب بهدوء:
*لو أحبك يوماً حقيقة ما تخلى عنك وعني لقد سرق ماضينا معاً واستلب طفولتي.
صمتت لم تشأ أن تقول أنه أشد قسوة منه، وأنه يسرق منها بضع سنين قد تكون كل ما بقي من حياتها، يسرق أياماً قد تكون قليلة لكنها ربما تعّوض ما فات من سنين، حبيب مستبد آخر يخضعها لحكم جائر جديد، سألته: أتكرهه؟
• لا، لكني دفعت الثمن غالياً، ولن أرضى أن يستعيد هو ما لا أستطيع أنا استرجاعه.
• ألا يرضيك التئام شمل أسرتنا؟
نظر إليها شارداً، لم يدر ما يريد،أراد ارتباطها بالآخر لعله يلغي عودتها للماضي رغم معرفته أن ذاك الارتباط لن يسعدها وعندما فشل استراح رغم إرادته، فما الذي يبغيه لا يدري، ربما يخشى عودة الحلم إليها فإن تحقق ضاع عذاب السنين هباء فمن يدفع الثمن؟
غادر أمه قاصداً بيت أبيه، وهو يعلم أنه ينتظر الخبر اليقين، فعاجله بالإجابة قبل أن يسأل:
• مزقت العقد.
استراح وجه الرجل المتعب ومضى لصلاته يحمد أم يستغفر، يرتجي أم يريح عذاب نفسه، يذرف دامعات مشفقات عليها وعلى ذاته من فراق طال أمده ومشاعر لم يفلح في دفنها فظلت بين الحين والحين تتوهج في عينيه، ذكرى لأحاسيس صادقة عاشها مرة وافتقدها مرات، أفضى بها لابنه وأفشى رغبته فيها والفتى يرفض بقسوة، قسوة عرفها في أهله وأدرك أسبابها ويعجز اليوم عن معرفتها في ابنه.
• ألا نعيد رتق ما جرح من سعادتنا ألا يمكن التكفير عما مضى.
• يتحمل المرء تبعات أخطائه ولن تمزق عائلة أخرى
قالها الفتى ضاماً إليه أخاه الصغير:
* لن تكرر معه ما فعلته لي.
• يحق للرجل إقامة منزلين.
• أحدهما على حساب الآخر وأحدهما سيظلم.
• ألا أستحق وأمك بعض الغفران بعض سعادة ظلت حلمنا.
• كانت لك وحطمتها.
سار نحو غرفته، ارتمى فوق سريره مجهداً في الأعماق سؤال كبير، لم يجرؤ بعد على مواجهته، لماذا يرفض بكل هذه القسوة؟ في الحلم كان عقرباً يدور وسط دائرة النار، لا يدر كيف الخروج، يلدغ نفسه منتقماً والنار تزداد اشتعالاً لتطال عقارب أخرى تحمل وجه أبيه وأمه.

0 Comments:
Post a Comment
<< Home